ترجمات

برلين عاصمة عربية

سارة قريرة* – (أوريان 21) 15/11/2022

برلين عاصمة ثقافية أوروبية بامتياز، لكنها تحتضن كذلك نشاطاً فنياً وفكرياً عربياً مهماً، حتى أنها أصبحت قبلةً ومكان لقاء للعديد من العرب من مختلف الجنسيات.

هنا، في العاصمة الألمانية، تولد الثقافة العربيّة من رحم الغربة.

* *
“الإشي لِمنيح ببرلين إنو إذا بتحس بالغربة، ممكن تلاقي كمان إسرائيلية تتناقر معهم، وهيك بتحس إنك بالبلد”، يقول محمد بدارنة مازحاً قبل أن يقضم من شطيرة شاورما.

وكان هذا المصور الفوتوغرافي الفلسطيني -من حيفا- قد استقر في برلين منذ 11 سنة، حيث تمكن من التفرغ تماماً للتصوير ليصبح نشاطه الأساسي. ويضيف: “يوجد ببرلين نشاط ثقافي عربي أكثر من أي مدينة عربية”.

افتتح محمد ذلك اليوم معرض صور له في فضاء بشارع “زونن آلي” (Sonnenallee) الذي أعيدت تسميته ليصبح “شارع العرب”، الذي كان جزؤه الجنوبي في الماضي نقطة مرور بين برلين الشرقية والغربية.

وفي الواقع، كل شيء في هذا الشارع يذكرك بالشام، أو القدس، أو بغداد، أو القاهرة، من المتاجر إلى المقاهي والمطاعم، مروراً بالملصقات التي تذكر بالسجناء السياسيين الفلسطينيين أو بإضراب علاء عبد الفتاح عن الطعام.

يعبر هذا الشارع الطويل الجزء الجنوبي من منطقة “نيوكولن”، التي استقبلت تاريخياً الهجرة السورية واللبنانية، وكذلك الفلسطينية.

ويعود وجود هؤلاء العرب إلى النصف الثاني من السبعينيات؛ أي بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، وقد ساعد على ذلك التقارب بين اليسار الفلسطيني وأقصى اليسار الألماني.

وكانت “عملية عنتيبي” من أبرز مظاهر هذا التقارب، عندما اختطفت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والخلايا الثورية الألمانية في حزيران (يونيو) 1976 طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية كانت تقوم برحلة بين تل أبيب وباريس.

من الصعب تقييم العدد الدقيق للفلسطينيين الذين يعيشون في برلين، خاصة وأن من بينهم أشخاصاً من دون أوراق رسمية، ناهيك عن الأوضاع الرسمية المعقدة والخاصة بكل مجموعة (مثل فلسطينيي القدس، أو فلسطينيي مخيمات اللاجئين، أو الداخل). لكن الجميع يتفقون على أن برلين تحتضن اليوم أكبر جالية فلسطينية في أوروبا.

“برلين ليست ألمانيا”

كثيرة هي المواعيد الثقافية العربية خلال هذه الفترة من النصف الثاني لشهر تشرين الأول (أكتوبر). وهذا النشاط ليس غريباً على المدينة التي تتميز بحيوية فنية وثقافية منذ توحيدها.

لكن “برلين ماهيش ألمانيا”، كما تؤكد الفنانة التشكيلية إيناس لعماري، التي ولدت في مدينة شتوتغارت من أب وأم تونسيين.

وتغتنم إيناس فرصة طقس يكاد يكون ربيعيا لتأتي إلى “تمبلهوفر فيلد” -وهو مطار قديم أصبح متنزهاً منذ العام 2010- وتتمتع بمشهد غروب الشمس برفقة أصدقائها.

والمكان مليء بالدراجات والمتزلجين والموسيقا المنبعثة من مكبرات الصوت.

وتمر سجائر الحشيش من يد إلى أخرى في جو احتفالي بسيط؛ حيث يلتقي الأصدقاء من دون تحديد موعد.

ويقول أحمد عيد، وهو موسيقي ومنتج من رام الله: “لو لم تكن هناك برلين في ألمانيا، ما كنت لأعيش في أوروبا”.

وكان أحمد حاضراً في مهرجان “آل برلين” الذي تم تنظيمه قبل ثلاثة أيام، والذي يبدو أنه كان ملتقى لكل الشباب العربي في برلين.

وقد تم تنظيم الحفلة في قاعة “فستسال”؛ حيث تدخل بعد ساعة من الانتظار بسبب طول الطوابير.

ويضم المكان ثلاثة مسارح ببرامج موسيقية متزامنة، بينما يعرض عدد من المصممين العرب ملابس ومجوهرات وإكسسوارات في الفناء الخارجي.

أما برنامج السهرة، فيضم أسماء مهمة من المشهد الموسيقي العربي البديل -مع اختيار نسائي 100 في المائة: رشا نحاس (فلسطينية من حيفا ومستقرة في برلين)، عزيزة إبراهيم (صحراوية)، مريم صالح (مصر)، أم (المغرب)، ناهيك عن فنانات امتهنّ الموسيقا الإلكترونية مثل ماكي مكوك، وتاكسي كباب، وسما عبد الهادي الملقبة بـ”ملكة التكنو الفلسطينية”.

وقد أصبحت العاصمة الألمانية محطة إلزامية للفنانين العرب الذي يقومون بجولة أوروبية، كما سيكون الحال في نهاية شهر تشرين الثاني (نوفمبر) بالنسبة لمجموعة كايروكي المصرية.

انطلقت السهرة بحدود الساعة السابعة مساءً لتتواصل حتى الساعة السادسة صباحاً، كما تقتضيه الأعراف البرلينية.

والجمهور من كل لون وشكل -بأتم معاني الكلمة- حيث ترى الكويريين والكويريات إلى جانب المحجبات. صحيح أن أغلب الجمهور عربي، لكن المكان يستقطب كذلك جمهوراً ألمانيا جاء لاكتشاف لون جديد من الموسيقا.

وهذا الاختلاط فريد من نوعه مقارنة بباريس. وعلى الرغم من أن الجالية العربية في برلين قد تنظم تظاهرات حصرية للعرب، فإن الجو العام بعيد عن التقوقع الذي تعرفه العاصمة الفرنسية.

فالاختلاط موجود حتى في الأحياء الشعبية، وليس من النادر أن ترى نساء محجبات حتى في أحياء “الهبسترز”، مثل “برنتسلاور برغ” و”ميته”.

دعم عمومي

استفادت الجالية الفنية العربية من بيئة رسمية مواتية للإنتاج الثقافي، أولاً من خلال سياسة تصاريح الإقامة، وهي أكثر مرونة مما هو الحال عليه عند الجيران الأوروبيين.

ويشهد عبد الله الخطيب، مخرج الفيلم الوثائقي “فلسطين الصغرى” الذي يروي حصار مخيم اليرموك في 2013، على ذلك.

فبعد أن تم ترحيله هو وعائلته وأصدقاؤه من المخيم نحو شمال سورية، ومن ثمة إلى تركيا، حاولوا الرحيل إلى أوروبا: “اغتنمتُ امتيازي كمخرج لإدراج طلباتهم معي في الملف نفسه”.

تقدموا في البداية بالطلب للقنصليتين الفرنسية والبريطانية، فرفضت كلتاهما وقبلت برلين، حيث يعيش عبد الله اليوم مع أهله منذ 2019.

تساند المدينة كذلك الفنانين العرب في مشاريعهم من خلال سياستها الثقافية، إما من خلال التمويل، أو من خلال توفير المباني العامة لهم.

وهو الحال بالنسبة لمركز “عيون”، الذي يقدم مشاريع فنية من خلال وجهات نظر ديكلونيالية وكويرية ونسوية ومهاجرة.

وفي شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2022، يستضيف الفضاء معرض “مجاهدات. نساء، مقاومة، تحالف كويري” بمناسبة الذكرى الستين لاستقلال الجزائر، إضافة إلى تنظيم ورش عمل غير مختلطة، مثل تلك المخصصة للمسلمين/ المسلمات، والكويريين/ الكويريات.

في الطابق الأرضي لمركز “عيون”، حطّ “مقهى بلبل” الرحال، وهو عنوانه الثالث منذ أن رأى النور في برلين. ويحمل المقهى اسم مؤسسه نضال بلبل، وهو فلسطيني من غزة، يشرف على المقهى مع زوجته نيار، وهي فلسطينية من القدس. هنا أيضا زبائن مختلطون، لكن أبيات محمود درويش -“أحن إلى خبز أمي.. وقهوة أمي”- تستقبل الزائر بمجرد دخوله المقهى.

وعلى الجدار، علقت لوحة تحمل علم فلسطين وخريطتها ورسم لمسجد قبة الصخرة، رمز مدينة القدس. وهنا

وهناك فوانيس عربية تضيء هذا المكان الدافئ؛ حيث يمكن للوافد أن يستلقي على الأرائك المريحة أو أن يجلس على الكراسي المستقيمة -لمن هم أكثر جدية- لتناول وجبة مع الأصدقاء أو احتساء قهوة أثناء العمل.

فقاعة آمنة

تدخل إلى “مقهى بلبل” كدخولك إلى عش دافئ. تأنس للموسيقا، إن كانت لمشروع ليلى أو سعاد ماسي أو زياد الرحباني أو “بيغ سام”.

كل العاملين في المقهى فلسطينيون أو سوريون، حتى أنك تكاد تنسى أنك ببرلين. يجلس نضال على الأريكة قبل أن تقفز كلبته “سمراء” بين ذراعيه، ساقه اليمنى مستقيمة أمامه، أو بالأحرى طرفه الصناعي الأيمن، بعد أن فقد هذا الصحفي السابق الذي كان يعمل مع وكالة “رويترز” رجله جراء قصف إسرائيلي، خلال عملية “الرصاص المصبوب” في 2008.

بفضل عمله مع وكالة دولية، نُقل نضال إلى مستشفى في القدس. وبعدها، تمكن من الحصول على تأشيرة لألمانيا من خلال برنامج يستهدف الصحفيين الفلسطينيين.

ويقول نضال: “بالذات برلين كانت إمكانية بالنسبة لإلي.. يمكن فيه رابط صغير مع جدار الفصل العنصري..”، في إشارة إلى الجدار الإسرائيلي.

لكن مراسل الحرب السابق سئم بعد بضع سنوات من رتابة العمل بألمانيا، وقرر في العام 2016 إطلاق مشروعه الخاص، “مقهى بلبل”؛ مقهى تخيله نضال مساحة “زي صالة البيت إللي بتجمع”، أو فقاعة آمنة لعرب برلين حيث يلتقي “خليط عربي” وحيث يسهل أن تشرع في الحديث مع الشخص الذي يجلس إلى طاولة مجاورة من دون أن تفكر في الأمر مرتين.

كان هذا هو الحال بالنسبة لرهام المسلماني، وهي مصممة غرافيك سورية انطلقت منذ فترة قصيرة في تنظيم الأحداث العربية ببرلين من خلال مشروع “ايفنتات برلين”.

وقد انتقلت رهام من حلب إلى برلين في العام 2014، واكتشفت المقهى بعد فترة أولى أمضتها في برلين بين دروس اللغة الألمانية وعملها في مقهى: “أول ما جيت لهون كان صعب لإلي، كان لازم بلّش من تحت الصفر، لأنو كان لازم بلّش أتعلم أحكي أساساً.

كل شي متعلمتو، كل شي عملتو راح عالفاضي”. تتحدث رهام عن بلدها والدموع في عينيها، لكن اكتشافها لمقهى بلبل غيّر حياتها في برلين: “أول مرة رحت لهونيك، حسيت إنو أخيراً أنا بمكان فيني أحكي فيه عربي، وما فيه داعي أقعد أفكر إنو أنا كيف لازم أصيغ الجملة، ووين بدي أحط الفعل بالجملة.

بتحسي حالك أخذتِ نفس”. تتذكر رهام جيدا الأمسيات التي قضتها هناك: “قضيناها سنة هونيك، نخلص الشغل ونطلع كلّياتنا كل يوم عالبسكليتات، وكنا تقريباً نسكّر المحل مع نضال.

كإنا مجموعين ببيت كبير ونقعد سوى ناكل ونضحك ونمزح ونشرب.. وبعدين نسكّر الكافيه وكل واحد يروح عبيتو”.
تستقطب برلين الشتات، فيسهل ظهور المشاريع العربية الجامعة لأكثر من جنسية. يرى أيهم مجيد آغا، وهو مخرج

مسرحي سوري أصيل من مدينة دير الزور، أن هذه البيئة هي فرصة ذهبية في أوروبا. استقر أيهم ببرلين في العام 2014، وفي 2017، أسس مشروع “مجموعة المنفى” (Exil Ensemble) في مسرح ماكسيم غوركي، الذي جمع فيه ممثلين وممثلات من سورية وفلسطين وأفغانستان.

أما اليوم، فهو في إقامة فنية في ستوديوهات السينما البرلينية الـ”بوفا” (Berliner Union Film Ateliers – BUFA)، حيث أقام الدورة الأولى من مهرجان “حدائق أوبرلندشتراس المعلقة The Hanging Gardens of Oberlandstrasse، التي تدور حول مفهوم “البيت”.

وقد أقيم المهرجان في الفترة من 4 إلى 12 تشرين الثاني (نوفمبر) على مساحة 2.500 متر مربع: “أنا كنت حتى الـ2020 مخرج مسرحي، وبكتب للمسرح.

كان آخر مشروع عملتو (قبل الانتقال إلى الـ”بوفا”) هو Exil Ensemble، ففكرت إنو بعد هاي السنين ببرلين، إنو هذا بيتي صار. عندي ولاد، عندي بيت، بقيت مستقر، ما عاد منفى”. لكنه اختار من أجل المهرجان أن يستمد إلهامه من تاريخ منطقته التي تقع على ضفاف نهر الفرات:

“أنا من بلاد الرافدين، وبحكي سرياني وبقرأه. رجعت لأساطير ما بين النهرين، ولحدائق بابل المعلقة. الحكاية قصتها بسيطة: مرتو لملك بابل من فارس، فاشتاقت لبيتها اللي بتشوف منو الفصول الأربعة والحيوانات.

الملك قرّر إنو يعمللها حدائق بابل المعلّقة كبديل عن بيتها، وجاب كل الحيوانات والأشجار إللي ممكن يجمعها، واللي عملت حدائق بابل. هذا اللي بلّشت منو، إنو الفنانين يجيبو قطعة -مادة- فنية من بيتهم”.

صور، لوحات خط عربي، فيديوهات، حفلات موسيقية.. شارك أيهم أولا الفكرة مع الفنانين من أصدقائه، “إللي عندي لحظات معهم، وبعرف بيوتهم”، ثم قام هؤلاء بدورهم بتقديمه إلى آخرين.

فنانة واحدة من بين المشاركين هي ألمانية، أما الباقي فهم أجانب يعيشون في برلين: “برلين سهلت علي هاي المهمة، لو أنا بباريس ما فيني اشتغل هالمشروع. لأنو أغلب الفنانين عايشين هون والتسهيلات أكثر”.

أبناء الثورات المنفيون

في الحقيقة، يُظهر هذا النوع من المشاريع الإمكانية التي تمنحها برلين للقاء بين مواطنين عرب كانوا إلى حد الآن سجناء جوازات سفرهم، وهو ما يؤكده نضال، قائلاً: “نحن الآن نتواصل مع أشخاص لطالما منعتنا السياسة الاستعمارية والحدود من الاختلاط بهم”.

وقد تلخص هذه الفكرة ظروف ولادة مكتبة “خان الجنوب” التي أسسها كل من فادي عبد النور -فلسطيني من رام الله- ورشا حلوة -فلسطينية من عكا وهي اليوم تعيش في أمستردام- والكاتب المصري محمد ربيع.

“الفكرة جات مالقِلّة”، يقول فادي بكل بساطة، وهو يعيش في ألمانيا منذ قرابة 20 سنة وأحد مؤسسي “مهرجان الفيلم العربي” ببرلين.

هذا المشروع هو الذي أتى به في 2009 من لايبزيغ إلى العاصمة الألمانية، ولكنه تفرغ أكثر لنشاط المكتبة انطلاقاً من 2020، والتي تضم اليوم أكثر من أربعة آلاف عنوان على رفوفها.

وعلى الرغم من أنها لا تطل على الشارع، إلا أنها نجحت في التعريف بنفسها واستقطاب جمهور القراء. ذات مساء سبت، نظمت المكتبة لقاءً مع الباحث والمؤرخ المصري خالد فهمي.

وحضر أكثر من 70 شخصا اللقاء في ساحة المبنى الذي تقع فيه المكتبة -بسبب صغر مساحتها- على الرغم من البرد، وهم يستمعون إلى المحاضرة في خشوع قبل الخوض معه في مناقشة مطولة.

كان صالح دباح، وهو صيدلي من عكا وناقد سينمائي في أوقات فراغه، من بين الحضور. ويقول: “جئت إلى برلين لكي ألتقي بالعالم العربي”.

ونتجاذب أطراف الحديث مع ميسون، وهي فلسطينية-أردنية تعمل في المكتبة، فنكتشف أصدقاء مشتركين في حيفا وبيروت وباريس وتونس. وتبتسم ميسون وتقول: “بالاسم إحنا من جنسيات مختلفة!”.

هل هي مجرد صدفة سعيدة يعيشها أولئك الذين ينتمون إلى فئة معينة من العالم العربي؟ ليس هذا فحسب.

فالأمر يتجاوز هنا المساحة الجغرافية المشتركة، بل هناك ثقافة سياسية وفنية مشتركة حقيقية يتقاسمها هذا الجيل، تعود جذورها إلى لحظة 2011 الحاسمة، لحظة الانتفاضات العربية.

وتشخص “شبكة فبراير” هذا الرابط، وهي تجمع منذ 2020 أربع وسائل إعلام مستقلة من العالم العربي -مدى مصر، ميغافون (لبنان)، الجمهورية (سوريون متواجدون ببرلين)، صوت (الأردن)- وأصدقاءها. ويفكر هؤلاء معاً حول اللحظة الآنية التي تعيشها المنطقة وحول إنتاجها الصحفي والمعرفي.

تقول ياسمين ضاهر، مديرة المؤسسة -وهي فلسطينية من الناصرة: “كان فيه شعور بالوحدة، وبدك تشوفي التانيين شو عم بعملوا وكيف بدهن يكملو الشغل بهيك أجواء سياسية واقتصادية صعبة”.

وتشيد ياسمين بالبعد التقدّمي واليساري للشبكة التي تساند مؤسسات ومبادرات في العالم العربي، لا سيما من خلال ورشات تدريب على الإنترنت.

دافعت ياسمين عن أطروحة في الفلسفة السياسية في مونتريال قبل أن تستقر في برلين، وتوضح سبب هذا الخيار الاستراتيجي، قائلة: “فيه هون شتات جديد، فيه موجة جديدة إجت بعد الثورات، وفيه توتر بالمعنى الإيجابي في العلاقة بين الوطن والشتات”.

وهي بدورها جزء من مجموعة “فلسطين تتكلم” Palästina Spricht، وهي قضية يصعب الدفاع عنها في ألمانيا.

وتذكر ياسمين الضغوطات التي تعرضت إليها المجموعة من قبل السلطات المحلية بسبب تنظيمها خيمة تضامنية بمناسبة أسبوع النكبة، الذي تزامن مع اغتيال الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة: “ممكن تنتقدي الدولة الألمانية ولكن مش إسرائيل!”، يقول محمد الجبالي، أحد مؤسسي بار “آل برلين” ساخراً: “مرات هون أصعب من تل أبيب!”.

ومن خلال استحضار هذه المشاريع الجماعية -شبكة فبراير، خان الجنوب- تؤكد سلمى مصطفى خليل -وهي عالمة أنثروبولوجيا من مصر تعيش في لندن وتُجري بحثًا حول البرليني العربي، الرابط القوي الذي يحافظ عليه هؤلاء الفاعلون مع العالم العربي، على الرغم من المسافة الجغرافية: “كلهم بيكتبوا عن العالم العربي النهاردة.

جغرافيا هومّه في برلين بس هومّه متجذرين في اللحظة العربية ولحظة 2011، اللحظة الي شفنا فيها بعض. فجأة ما بقيناش الحكومات، وبقى فيه بني آدمين كتير مؤمنين وبينادوا بالحاجة نفسها اللي أنا بنادي بيها. بقينا فجأة شايفين بعض وبنكلّم بعض. وبرلين خلتهم يلتقوا”.

2015، اللحظة الحاسمة

تضيف سلمى: “دي ناس خرجت من بلادها أصلا بسبب اللحظة دي، وبوعي سياسي ماكانش موجود قبل اللحظة دي”، متحدّثة عن موجة اللاجئين السوريين.

وكانت السياسة الألمانية تجاه المهاجرين السوريين -التي لقّبت بسببها أنجيلا ميركل بلقب “موتي” (ماما بالألمانية)- مختلفة جدا عن سياسة الجارة الفرنسية.

“فير شافن داس!” -“سننجح في ذلك”! هكذا أعلنت المستشارة الألمانية في العام 2015.

وكانت النتيجة أن منحت ألمانيا الإقامة لـ790 ألف سوري بين العامين 2013 و2019، في حين لم يحصل سوى 10 آلاف سوري على أوراق لجوء في فرنسا بين العامين 2011 و2016.

وقد أصبحت صورة أيلان، ذلك الطفل الكردي السوري البالغ من العمر ثلاث سنوات الذي عُثر عليه غارقًا على أحد الشواطئ التركية، صورة الضحية البريئة بامتياز. ويذكر مهند، أحد مؤسسي مكتبة “بيناتنا” التي تزود القراء بالكتب العربية، تلك الفترة: “بالأول كان “ترند” (موضة)، إنو فيه موجة لاجئين وهيك.

رفضنا ندخل تحت هذا التصنيف، لأننا لسنا مجرّد لاجئين، ولا كلنا لاجئين، وإحنا من مختلف الجنسيات أصلاً. كان فيه سطحية وسخافة في التعامل مع الموضوع.

والغريب إنِك إنتي بتحكي للناس إنك جايي من بلد حرب وقنابل، عادي، بس تقوليلهن إنك جيتي بالبحر، بيبلش التعاطف”.

أسهمت هذه السياسة في ظهور جمهور حقيقي للأنشطة الثقافية العربية، الأمر الذي يؤكده فادي: “قبل عشر سنين، كان خيال فكرة إنه واحد يفتح مكتبة ببرلين، لأنو ما كانش فيه جمهور”.

لكن سلمى تنسب صورة البلد المستقبل للاجئين: “لما تفكري فيها من ناحية الهجرة، بالنسبة للدولة المضيفة، المهاجرين دول هم أولا وقبل كل شيء أجساد تعمل.

برلين إنتاجها هو إنتاج ثقافي ودول منتجين، حيجيبولنا سياحة وحيجيبولنا فلوس والناس حتيجي من كل حتة في أوروبا تشوفهم وتشوف شغلهم”.

يسعى البعض، مثل محمد بدارنة، إلى النأي بأنفسهم عن هذا المنطق من خلال العمل بشكل مستقل.

صحيح أنه كمصور يعد كتابًا عن الشوارع العربية في أوروبا، وفيه ذكر لشارع “زونن آلي”.

لكنه يرفض أن يتم اختزاله في هويته وانتمائه، كما يتضح من معرضه الأخير “الفريق المنسي” The Forgotten Team، المخصص للعمال النيباليين في مواقع البناء الخاصة بكأس العالم في قطر.

ويرى محمد أنه من المهم أن يكون مصور فلسطيني- عربي صاحب هذا المشروع، لإظهار التضامن بين مواطني الجنوب العالمي.

يحلم الجميع بخلق عالم عربي لا وجود له في أي مكان آخر. عالم يحاولون إعادة بنائه من خلال استعادة موروثهم الثقافي، مثل رهام التي تجد في الغناء العربي بعض السلوان.

لم تزر حلب منذ العام 2017، ولم تعد مستعدة لمواجهة ذلك الكم الهائل من الحزن والبؤس، بعد أن غيرتها برلين، كما تقول.

وهناك آخرون أيضا قد لا يرون بلدانهم مرة أخرى، مثل نضال بلبل الذي قد تمنعه السلطات الإسرائيلية في كل مرة من العودة إلى غزة، على الرغم من حصوله على الجنسية الألمانية.

على الرغم من هذه المسافة غير القابلة للضغط، يحاول البعض التركيز على ما تقدمه لهم برلين.

وتؤكد هبة عبيد، وهي فلسطينية من سورية تعمل اليوم مع الإذاعة الثقافية الألمانية وتسهم في موقع “رصيف 22”: “بالنسبة إلي، ما فيني أكون هالقد مرتاحة بالكتابة كيف كنت بسورية.

برلين أعطتني هالأريحية، إنو أكتب بهاللهجة، بهالخطاب، خصوصاً نسوي، واللي كتير متحرّر من قيم كتيرة بالمجتمع”.

كذلك تحاول مكتبة “خان الجنوب” استغلال هذا الهامش من الحرية، وقد شرعت هذا العام بنشر كتب وفق مبدأ بسيط: أن تنشر في برلين ما لا يمكن نشره في العالم العربي، لأسباب سياسية أو مجتمعية أو دينية.

إلى متى يمكن أن تستمر هذه الوفرة الثقافية؟ يمثل الاستطباق المستمر للعاصمة الألمانية وتراجع هالة الثورات العربية تهديدًا لهذه الحياة الفنية.

وتتوقع سلمى أن “السوريين موضة، والموضة هتعدي”. وبالفعل، انخفض منذ العام 2017 عدد الوافدين الجدد إلى ألمانيا بشكل كبير، وأصبحت قوانين اللجوء أكثر صرامة.

كما تحذر الباحثة المصرية من اعتماد العديد من هذه المشاريع على المانحين وافتقارها إلى الاستقلالية. ويمكن أن يؤثر أسلوب التمويل هذا أو أن يحد من المواضيع التي يرغب الفنانون العرب في التطرق إليها، فيشجع المشاريع المتعلقة بالحريات الفردية أو اللاجئين، بدلاً من مواضيع سياسية، فيختزل الفنانين في هوية الضحية.

وقد أصبح التهديد أكثر إلحاحًا مع الحرب في أوكرانيا وتدفق اللاجئين الجدد، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على التمويل الثقافي.

في “مقهى بلبل”، بينما كان بعض الزبائن يتجاذبون أطراف الحديث والبعض الآخر يعملون على حواسيبهم، جلس رجل إلى آلة البيانو وبدأ في عزف أغنية “أهواك” لعبد الحليم حافظ.

التفتُّ إلى نيار، زوجة نضال، بنظرة تساؤل فأجابتني: “إنه شادي، فلسطيني من مخيم اليرموك. له ورشة هنا في مركز”عيون” ويأتي بانتظام إلى المقهى بحثًا عن بعض الأنس.

لقد شكلت الحرب صدمة كبيرة بالنسبة له”. ويواصل شادي العزف، ويبتسم لمن تعرف على موسيقا “حبيتك بالصيف” لفيروز التي شرع في عزفها.

ويسأل بشغف: “مين بدِّك؟ شيرين؟ ماجدة؟ بتسمعي لجورج وسوف”؟. بمجرد أن تتعرف على الأغنية، يلمع بريق في عينيه، كمن وجد في صوت محاوره، هنا في برلين، صدى أرضه.

*سارة قريرة: صحفية، حاصلة على شهادة الدكتوراه في الأدب الفرنسي، مسؤولة عن الصفحات العربية لموقع “أوريان 21” الفرنسي.

اقرأ أيضا في ترجمات

الإعدام الإسرائيلي لشيرين أبو عاقلة مقصود وجزء من سياق

شيرين أبو عاقلة.. خسارة شخصية..!

الفلسطينيون دائما هم الهدف

على الأميركيين المطالبة بتحقيق مستقل في مقتل شيرين أبو عاقلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock