أفكار ومواقف

برنامج اقتصادي وطني مواز

للوهلة الأولى، ستبدو فكرة طرح برنامج اقتصادي وطني يعمل جنبا إلى جنب برنامج صندوق النقد الدولي، فكرة خيالية غير واقعية. ويملك أنصار ربط البلاد بالخيارات الخارجية الكثير من المبررات التي تجعل التفكير بمثل هذا البرنامج غير قابل للتطبيق. وقد يقول قائل آخر إنه لدينا بالفعل برنامج اقتصادي وطني يعمل إلى جانب برنامج صندوق النقد، وإلى جانب برامج جهات دولية أخرى. وهو حتما ما لا نعنيه، وإلا لماذا لم يحدث الفرق المطلوب؟
الحكومة الجديدة أمامها فرصة لعمل سريع على برنامج اقتصادي وطني إنقاذي، يعمل بالتوازي مع برنامج “الصندوق”، ويملك القدرة على التعايش معه. والفكرة المركزية لهذا البرنامج تتمثل في تقديم حلول محلية للمشاكل الأردنية؛ فالتحديات معروفة، لكن هناك عجزا عن تفسيرها. ويبدو أن النخب الاقتصادية الرسمية ارتاحت لمقولة أن مشكلات المالية العامة، بما فيها العجز والمديونية، موروثة عبر الأجيال، وعمرها من عمر الدولة.
توجد أسئلة تقليدية كبيرة لم توفق في التصدي لها الحكومات في آخر عقدين. وهي أسئلة تصب في صلب الحاجة لحلول محلية لمشاكل تزداد تعقيدا. ومنها على سبيل المثال:
سؤال الضريبة العادلة: إذ إننا لا نتوقف عن الحديث عن رقم كبير للتهرب الضريبي، ربما تجاوز هذه الأيام المليار دينار، من دون إجابات واقعية. مدخل الضريبة العادلة يستقيم أن يكون مدخلا للحديث عن المواطنة وبناء الدولة القوية المستقلة التي تعتمد على جيوب مواطنيها، وتضمن هي بدورها شروط الحياة الكريمة لهؤلاء المواطنين، إذا ما توفرت شروط العدل المتمثلة في تفعيل تصاعدية الضريبة، وإعادة تعريف الشمولية. وإلا ستبقى قصة قوانين الضريبة والتذكير بالتهرب الضريبي في كل مرة، مجرد لهو سياسي لا أكثر. لقد حان الوقت لوضع مسألة التهرب الضريبي في مكانها الحقيقي، وإعادة تعريفها بوضوح؛ إذ لا يوجد لدينا رقم دقيق يعكس الواقع حول حجم هذا التهرب، لكن الجميع يدرك أنها مشكلة كبيرة لم يفعل ما يُذكر لتجاوزها.
سؤال القطاع غير المنظم: مقابل أكبر فئة دافعة للضريبة، علينا التنبه إلى أن أكبر فئة متهربة توجد في القطاعات المهنية المنظمة وغير المنظمة. إذ يجني القطاع المهني، وتحديدا غير المنظم، عائدا مرتفعا مقارنة بالدخل المحدود للموظفين دافعي الضرائب.
تسعة عقود من تاريخ التنمية في الأردن، بنجاحاتها وإخفاقاتها، تحتاج مراجعة من منظور الابتكار في السياسات العامة؛ على سبيل المثال، إعادة تدوير السياسات العامة، والاستفادة من التراكم وتحويله إلى قيم وفوائد نوعية وكيفية؛ بمعنى أنه لا يمكننا الاستمرار في التراكم من دون تحويله إلى قيم نوعية. ومن الأمثلة: إنجازات التعليم وتنمية الموارد البشرية، وإنجازات الاستقرار السياسي والأمني، وإدارة الندرة، والسمعة وقيم النظام السياسي. كل ذلك وغيره يحمل قيمة مضافة قابلة للتوظيف النافع من خلال سياسات جديدة ومبدعة؛ أي الاستثمار الجديد والمبدع في هذه المجالات وإنجازاتها، وتحويلها إلى مورد جديد. وللأسف، هذا لم يحدث، حتى على مستويات ضيقة.
على هذا الأساس، نجد عشرات الأمثلة، منها: هل استطاع الأردن توظيف سمعته الأمنية الدولية والإقليمية، وسمة الاستقرار النسبي التي يتمتع بها، وتحويلها إلى مورد حقيقي ينتفع به، بدل أن نبقى نتغنى بالأمن والأمان، والاكتفاء بأن تبقى هذه القيمة المضافة مجرد شعار؟

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock