أفكار ومواقف

برنامج تنمية البادية: بعد ماذا؟

 إقرار برنامج تنمية البادية الأردنية من قبل مجلس الوزراء الاسبوع الماضي خطوة مهمة جدا ولكنها متأخرة جدا ايضا، من المفترض ان ترصد الحكومة لهذا البرنامج  55 مليون دينار خلال 2017 – 2019، وهذا مبلغ يعد متواضعا لتنمية أوسع إقليم وأكثر الأقاليم تنوعا وثراء في الموارد. في الوقت الذي تعاني فيه المجتمعات المحلية في هذا الإقليم من أسوأ مؤشرات تنموية سواء في الفقر والبطالة وتراجع الإنتاجية، ورداءة مؤشرات التعليم وتراجع سبل العيش وتهشيم مصادر الدخل التقليدية التي جعلت على مدى عقود طويلة من تلك المجتمعات مكتفية بذاتها.
 تشكل البادية الأردنية أوسع إقليم يمتد على مساحة 80 % من المملكة، وهي ليست صحراء بالمفهوم التقليدي، بل تحوي على تنوع نباتي وحيوي كبير ومدهش، وتشتمل على نحو 300 تجمع سكاني، والمهم أن هذا الإقليم الواسع يختزن الكثير من الموارد الوطنية وعلى رأسها الموارد الاستخراجية الأهم، ومنها الفوسفات إلى جانب المياه، في الوقت الذي شهدت فيه البادية الأردنية إهمالا تنمويا على مدى العقود الأخيرة أخذت عوامل تهشيم البنى الاقتصادية التقليدية بالازدياد، ما أاثر في العمق على أنماط العيش وعلى سلوك الافراد والجماعات.
ما لحق بالبادية الأردنية خلال العقود الماضية ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي يرتقي إلى مستوى الظلم الوطني؛ فالكتلة السكانية المحدودة تركت للتهميش والنسيان، وبالأرقام الرسمية والدراسات الأكاديمية هناك فجوات تنموية هائلة، فكل عام نكرر الحالة ذاتها من التعاطف الوطني الزائف حينما تصدمنا نتائج الثانوية العامة أنّ مدارس مديريات بأكملها في البادية (لم ينجح أحد فيها)، وقبل عدة سنوات أجرى الدكتور دوخي الحنيطي دراسة مهمة عن فجوة التعليم في البادية الأردنية التي حذرت من أننا أمام مشكلة حقيقية، حيث وصلت تلك الفجوة إلى %61  في التعليم الأساسي و 42 % في التعليم الثانوي والجامعي. فيما تتجاوز معدلات البطالة في البوادي الثلاث الشمالية والوسطى والجنوبية المعدلات الوطنية إلى الضعف في بعض الألوية والأقضية. وفي آخر دراسة لجيوب الفقر فإن نحو نصف تلك الجيوب تعود إلى البادية الأردنية.
في الجهة المقابلة ثمة جريمة أخرى ارتكبت بحق الاقتصاد الأردني من جراء إهمال الموارد الوطنية التي تحتويها البادية وتُركت نهبا للفساد وسوء الإدارة. نحن نتكلم عن أكثر من 10 موارد أساسية يمكن أن يكون لها تأثير مباشر على بنية الاقتصاد الوطني مثل الفوسفات واليورانيوم وحجر البناء والسيلكا والتف البركاني والصخر الزيتي وغيرها. ما تم من استغلال هذه الموارد جرى بطريقة الاستنزاف بدون أن يترك آثارا قوية على الاقتصاد الوطني أو على تنمية المجتمعات المحلية؛مثلما هو الأمر في حالتي الفوسفات والمياه. قس على ذلك الفرص الاقتصادية الكبيرة التي توفرها مناطق متعددة من البادية، على سبيل المثال وادي عربة التي من الممكن أن توفر فرصا غير مسبوقة للسياحة البيئية ولظهور مجتمعات عمرانية جديدة، وعلينا أن ننظر ماذا فعلوا على الجهة الاخرى من الوادي. بينما يمكن ان يوفر الامتداد الطبيعي للبادية الجنوبية وصولا الى البادية الشمالية الشرقية مستودعا وطنيا ضخما للغذاء.
خطوة مهمة حدثت في العقد الأخير بإنشاء الصندوق الهاشمي لتنمية البادية الأردنية قبل نحو عشر سنوات، وبالفعل عمل الصندوق على سلسلة من المشاريع المهمة، لكنه ما يزال يحتاج إلى دعم حكومي فعلي ويحتاج إلى أضعاف الموازنات التي يتلقاها؛ فمعظم المشاريع التي ينفذها تأتي من الممولين الدوليين.
خلال السنوات الست الماضية ازدادت الحركات الاحتجاجية المحلية في البادية الأردنية، نتيجة الإهمال وازدياد تفاقم مظاهر الفقر والبطالة وانتشار المخدرات وعزلة المشاريع الكبرى التي تستنزف موارد البادية دون أن يلمس الناس آثارها، إلى هذا الوقت لا تقرأ عمان هذه المؤشرات جيدا.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock