أفكار ومواقفرأي اقتصادي

برنامج وطني للإصلاح الاقتصادي

جميل ما رشح من أخبار حول توجه الحكومة نحو إعداد “برنامج وطني للإصلاح المالي والاقتصادي”، وما توافر من أخبار يشير إلى عملية هيكلة مباشرة ستمس بشكل أساس قطاعات الطاقة والنقل والتمويل، وجميعها قطاعات حيوية للتنمية الاقتصادية ولتحفيز عجلة النمو الاقتصادي، عبر قنوات التوسع في الأعمال من جهة، وجذب استثمارات جديدة من جهة أخرى.
والمعروف أن برامج الإصلاح الاقتصادي تنطوي في العادة على شقين؛ أحدهما تثبيتي Stabilizing، معنيٌ بتصويب التشوهات في التسعير والكلف والسياسات الآنية، والآخر هيكلي Structural، معني بإعادة هيكلة القطاع إما تشريعيا أو تنظيميا أو إداريا، أو من حيث الملكيات وآليات العمل، والمستثمرين في القطاع، وما يندرج ضمن ذلك من سياسات التملك، والإدارة، والفاعلية الإنتاجية. ويمكن القول إن الأردن قطع مشوارا مهما في مجال سياسات التثبيت الاقتصادي، عبر التخلص من الكثير من التشوهات السعرية في العديد من السلع التي كانت مدعومة سابقا، وخاصة في مجال المشتقات النفطية، وفي مجال الخبز وبعض الخدمات الحكومية. كما أن هيكل الضريبة، بالرغم من بعض الملاحظات عليه، وعلى التعديلات الأخيرة، إلا أنه يبقى مقبولا بدرجة كبيرة، قياسا بالهيكل الضريبي لدول المنطقة أو الدول المشابهة في الدخل.
وتعد السياسة المالية في الأردن اليوم، خالية بشكل كبير من التشوهات، وإن كان ينقصها الإمكانات المالية الكافية لتحريك مستوى الإنفاق الرأسمالي الذي لا بد من التوسع فيه إذا ما أرادت الحكومة فعليا تحفيز النمو وتحريك عجلة الاقتصاد. وهو أمر لن يتم إلا بما تعهدت به الحكومة، من مشاريع كبرى بالتعاون مع القطاع الخاص المحلي والدولي، والأمل ألا تتأخر تلك المشاريع أكثر مما هو عليه الوضع اليوم. وبالعودة إلى التوجه المهم الذي تم الإعلان عنه، بإطلاق برنامج الإصلاح الوطني، فإن المأمول فعلا أن تشارك الحكومة الجهات المعنية من القطاع الخاص، ومؤسسات المجتمع المدني المعنية بالقطاعات الثلاثة المشار إليها، وكذلك نخبة من الخبراء، وأن تخرج بتصور إطاري واضح لتصحيح وإعادة هيكلة القطاعات الثلاثة، ومن ثم تعرض ذلك على خبراء الصندوق والبنك الدوليين للإفادة من مقترحاتهم حول ما تم الخروج به، قبل الإعلان عن ذلك البرنامج ضمن خطة زمنية لا تقل عن 5 سنوات، وبحيث تكون الخطة عابرة للحكومات، ويعززها إطار تشريعي ملزم، بحيث لا يتم دفن المشروع عند تغيير الحكومة، أو تغيير أيٍ من رموزها القائمة على البرنامج. وفي عجالة فإن قطاع الطاقة يشكو في هيكله من التركز في مصادر التوليد، ومن تشوهات في كلفة الإنتاج، لا تخفى على أي مختص، وهي تشوهات تصل بكلفة الإنتاج إلى ضعف الكلفة العالمية على أقل تقدير، وقطاع النقل، يشكل حجر عثرة أمام حركة الأفراد من جهة، وأمام التجارة والتبادل التجاري من جهة أخرى، ولعله بذلك من أهم معيقات الاستثمار في البلاد.
أما قطاع التمويل فإن أهم تشوهاته تكمن في ضعف تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وضعف المشتقات التمويلية، وعدم توافر صناديق تمويل متوسطة وطويلة الأمد، ناهيك عن ضعف دور التمويل المغامر، وضعف القاعدة المعلوماتية اللازمة لضمان بيئة تمويل صحية للدائن والمدين. لا حاجة للزيادة في ذلك، ولكن لا بد من تثمين هذه الخطوة التي نأمل أن تخرج للعيان ويبدأ العمل عليها بالسرعة الممكنة، دون الإخلال بمبدأ التأني والدراسة الكافية لكل ما سيتم اعتماده من معايير تصحيحية سواء أكانت هيكلية أم تثبيتية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock