ترجمات

برهان غليون: التحاور مع النظام السوري الحالي أمر مستحيل

حوار – (لومانيتيه) 2/11/2011  

ترجمة: مدني قصري

يندد رئيس المجلس الوطني السوري بالدوامة الدموية التي تورط فيها النظام السوري، ويعلن عن صدور ميثاق المعارضة قريبا، من أجل إنشاء جمهورية ديمقراطية تعددية ومدنية.
* ما هو المجلس الوطني السوري الذي ترأسونه؟
– المجلس الوطني السوري عبارة عن تحالف ما بين مختلف قوى المعارضة السورية. يجمع القوى العلمانية، والقوى الإسلامية كالإخوان المسلمين، والإسلاميين المستقلين، وممثلي شباب الثورة –المكوّن الأهم- وهم ما يسمى بلجان تنسيق الثورة. وقد أنشئ المجلس الوطني السوري لكي يعطي لهذه الحركة عنوانا وحيدا –أو تقريبيا، ما دام هناك قوى أخرى ما تزال خارج التنظيم. ويتعلق الأمر أيضا بتنسيق العلاقات الدولية، والإقليمية، والتفكير في مستقبل الثورة، أي في سورية! سورية الديمقراطية التي يحلم بها الجميع.
* تقولون إن التنظيم لا يضم كامل المعارضة. وبالفعل، نلاحظ أن معارضا تاريخيا، مثل ميشيل كيلو، ليس عضواً في المجلس الوطني السوري…
– نعم، ميشيل كيلو ليس جزءا من المعارضة. وهناك أيضا التجمع الوطني الديمقراطي الذي يضم بعض أحزاب المعارضة، ويقوده حسن عبد العظيم. هؤلاء لم ينخرطوا بعدُ في المجلس الوطني السوري، لكنهم اتخذوا مواقف إيجابية، وقد ينضمون إلينا في أي وقت. لكنْ، ولكونهم يقيمون في سورية، فإن هذا يضعهم أمام مصاعب جمة، ومن الصعب عليهم أن يتخذوا نفس مواقفنا. سيكون لنا معهم اتصالات تنسيقية، أكثر من أي شيء آخر. ليس ثمة منافسة، فميشيل كيلو صديق، وكذلك مناضلون عديدون آخرون مستقلون، يدعمون المجلس الوطني السوري. 
* ما هي استراتيجية المجلس الوطني السوري؟
– استراتيجيتنا تقوم على المحافظة على الطابع السلمي والشعبي لهذه الثورة. نريد أن نجمع ونجند القوى الديمقراطية في البلاد وراء شباب الثورة، وندفعها إلى اتخاذ مواقف أكثر حزما وصرامة ضد نظام عائلة بشار الأسد. ويتعلق الأمر أيضا بتعبئة الرأي العام الدولي، من أجل تقديم الحد الأدنى من الحماية الدولية للمواطنين الذين يتعرضون لمجازر يومية. الأمر أشبه ما يكون بطقوس قربانية. فكل يوم لدينا ما بين عشرين وثلاثين ضحية يسقطون برصاص القوات الأمنية. والأمر الأكثر إلحاحا، في الوقت الحالي، هو جلب هذه الحماية الدولية كمرحلة أولى، قبل رحيل هذه العائلة وسقوط النظام.
* قبل موت معمر القذافي بأيام، كان أحد أعضاء المجلس الوطني السوري في ليبيا، وتحدث عن سيناريو شبيه بالسيناريو الليبي فيما يخص سورية. ما الذي تقصدونه بالحماية الدولية؟
– نعتقد بأن الوضعية السورية جد مختلفة عن الوضعية الليبية. وعلى أي حال، فإن للقوى العظمى والمجتمع الدولي نفس التصور، وهو أن ما حدث في ليبيا لا يمكن أن يحدث ثانية في سورية. ولحد الآن، يعارض الجميع أي تدخل عسكري منظم لإسقاط النظام. لكن مسؤولية حماية المدنيين الذين يتعرضون لجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، مسؤولية منصوص عليها في مادة من مواد ميثاق حقوق الإنسان لمنظمة الأمم المتحدة. وتطبيق هذه المادة يتطلب إرسال مراقبين إلى عين المكان لنقل ما يحدث. أما الآن فنحن نفكر في إرسال مراقبين عرب وأجانب لتقديم بعض الحماية للمدنيين السوريين. 
* إذن، وبوضوح، ليس عندكم سيناريو على الطريقة الليبية يتمثل، مثلا، في تحرير جزء من الأراضي السورية، كمتنفس للاستيلاء على السلطة؟
– التفكير بهذه الطريقة يعني قلب الأشياء رأساً على عقب. في الواقع، في ليبيا تم تحرير جزء من البلاد على يد الليبيين الذين طالبوا بنوع من الحماية ومن الدعم، حتى لا تتمكن قوات القذافي من استعادة هذا الجزء من الأراضي المحررة. والوضعية مختلفة في سورية. ليس في سورية مناطق محررة تحت سيطرة جيش مستقل أو ثوري. إننا نطالب بحماية مجموع السكان في بلد ما يزال تحت سيطرة القوات الأمنية التابعة للنظام الحالي.
* ألا تخشون من انفلات الاستراتيجية السلمية، ما دامت هناك المزيد من المواجهات المسلحة مع القوات النظامية؟ يجري الحديث الآن عن منشقين، وعن جماعات سلفية. ألا تخشون أن يفقد السوريون ثورتهم بسبب الجماعات المسلحة التي يبدو أنها باتت تهيمن على الأوضاع؟
– هذا خطر لا بد من تفاديه. لهذا السبب ندعو إلى تعبئة دولية وعربية من أجل تقديم حل سريع لمسألة المجازر الجماعية اليومية. لتفادي هذا الخطر، لا بد من السير قُدما وبسرعة. فإن توصلنا حقا، مع البلدان العربية ومع المجتمع الدولي، وبالتنسيق مع شباب الثورة، إلى إيجاد حل سياسي، أي حماية المواطنين بشكل من الأشكال، وإلى وقف المجازر، فسنستطيع عندئذ القول بأن خطر اللجوء إلى السلاح سيتناقص بصورة ملموسة. لكن الخطر يظل قائما.
* ما هي الجهات التي تخضع لها هذه الجماعات المسلحة؟
– شباب الثورة أعضاء في المجلس الوطني السوري. لدينا إذن إمكانية إعداد استراتيجية سلمية معهم. لكنه في حال ظل العالم بمجمله، والدبلوماسية الدولية، مكتوفي الأيدي، ولم يقدموا لنا يد المساعدة من أجل فتح آفاق مواصلة الثورة بطريقة سلمية، فعندئذ ستفلت منا الأمور بطبيعة الحال، وهذا أمر بديهي. في الوقت الحالي هناك منشقون هاربون من الجيش تُطلق قواتُ الأمن الرصاص عليهم، فيردّون عليها بالمثل. وهذا أمر لا يقع تحت مسؤولية المجلس الوطني السوري. إن الشباب هم الذين ينشقون، لأنهم لا يقبلون بأن يستعمل الجيش الذي ينتمون إليه ضد عائلاتهم. وربما تكون هناك عناصر أخرى بدأت تحمل السلاح أيضاً. لكن ظني أن الطريقة الوحيدة لتسوية هذه الوضعية هو الإسراع في السعي لإيجاد تسوية سلمية وسياسية، وفتح إمكانات التقدم لإيقاف عمليات القتل. إننا نسعى للحد من تأثير الجماعات المسلحة، لكنّ ديناميكيات الميدان تظل مستقلة نسبيا، ويتعيّن على الجميع إدراك هذا الخطر.
*”جيش سورية الحر” تم تشكيله على يد ضابط منشق. وهو يطالب بمهاجمة القوى الحكومية. ما رأيكم في مثل هذه الأعمال؟
– هذا الجيش تم إنشاؤه من قبل جنود فارين رفضوا إطلاق النار على صدور المواطنين. لكنها أول مرة أسمع فيها عن مثل هذه العمليات. نحن، بصفتنا المجلس الوطني السوري، لا صلة لنا بهذا الجيش المتمركز في تركيا. ونحن مستمرون في التفكير بأن ثورتنا يجب أن تكون سلمية. وعليه، ينبغي أن نسعى للاتصال بهذا الجيش لكي نتمكن من التحاور معاً حول استراتيجية لا تدفع بالثورة نحو العسكرة. هذا ما يزال مبدأنا إلى الآن.   
* ألا توجد قوى تعمل في المعارضة وتريد الانحراف بهذه الثورة السلمية نحو ثورة مسلحة؟
– فيما يخص قوى المعارضة المنظمة، لست أدري شيئا من أمرها. أما أن تكون هناك قوى من الخارج قادرة على إدارة الأمور، فأمر غير مستبعد. بمجرد أن يحدث صدع في النظام الأمني للبلاد، سوف تسارع قوى ثورية كثيرة، إقليمية أو دولية، لاستغلال هذا الصدع لتحقيق أهداف استراتيجية. إذن، خطر المناورة، أجنبية كانت أو حتى من قوى داخلية، يظل قائما. لكن قوى التحالف في المجلس الوطني السوري، ليست حتى الآن على هذا الخط.
*أعلن النظام السوري عن الشروع في إصلاحات، وتغيير الدستور، وتنظيم انتخابات مبكرة… ما رأيكم في هذه المقترحات؟ هل بالإمكان التحاور مع السلطة الحاكمة في دمشق؟
– هناك قطيعة كاملة مع هذا النظام الذي لم يستعمل منذ ثمانية شهور سوى الأسلحة والرصاص. هناك موتى، وهناك جرحى، وهناك اعتقالات، وهناك اغتصاب، وأشكال من العنف اليومي، وشباب يموتون تحت التعذيب، وهناك تخريب أحياء على يد قوات الأمن. وفي هذه الظروف، من الصعب جداً إقناع الناس بأن هذا النظام ما يزال قادرا على التحاور مع شعبه. إن الذين يرغبون في التحاور فعلا لا يرتكبون هذا القدر من أعمال العنف. لقد بات الحوار مستحيلا، لكن بالإمكان التفكير في إجراءات في اتجاه نقل السلطة إلى حكومة تمثيلية تتيح تنظيم انتخابات، أي إذا قبل النظام حقاً بلعبة الديمقراطية. أما التحاور من أجل مجرد البحث عن تسوية مع النظام الحالي، فهي من قبيل المستحيل.
* ما الذي تتوقعون حدوثه في حال نجاح الثورة؟ نرى أن الإسلاميون في تونس فازوا بالانتخابات. وفي ليبيا أعلن المجلس الوطني الانتقالي عن تطبيق الشريعة، وفي مصر ينظم الإخوان المسلمون أنفسهم للفوز بالانتخابات… ألا يوجد تخوف، حتى في داخل المجلس الوطني السوري، من أن ينتصر الإسلاميون سياسيا؟ 
– لا يوجد أي خطر حقاً. الوضع جد مختلف في سورية. القوة الإسلامية المنظمة أقلية قليلة. فلا هي كما هي في تونس، ولا هي كما هي مصر. الإخوان المسلمون تم إقصاؤهم في سورية فعليا منذ خمسة وثلاثين عاماً، وهم لا يملكون أي تنظيم داخل البلاد. ثم إن الحركات الإسلامية السورية منقسمة، بعضها كان مع النظام، فيما كان بعضها الآخر معتدلا… ليس ثمة قوة إسلامية قادرة على حرف الثورة عن أهدافها. “المعسكر العلماني” -الذي يضم كل الذين يتطلعون إلى جمهورية ديمقراطية ومدنية، والذي يحترم كافة المواطنين بصرف النظر عن انتمائهم العرقي أو الديني- هو معسكر قوي جدا. وهو يمثل الأغلبية أيضا، لا سيما وأن في البلاد طوائف قليلة العدد لا يمكن أن تنجذب إلى الإيديولوجية الإسلامية. وهذا في حد ذاته ضمان. وقريبا سيقوم المجلس الوطني السوري باعتماد ميثاق وطني ونشره، وقد تنضم إليه كافة القوى المنظمة في البلاد. وسيؤكد هذا الميثاق، مرة أخرى، على طابع الجمهورية الديمقراطية التعددية والمدنية الذي لا رجعة فيه، وهي الجمهورية التي سوف تحل محل النظام الحالي.
*ما هي من وجهة النظر الدبلوماسبة، طبيعة نشاط المجلس الوطني السوري؟ هل تطالبون بالاعتراف الرسمي، أي بأن يتم اعتباركم ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب السوري، محل النظام الحاكم؟
– إطلاقا. إننا نسعى للحصول على الاعتراف من البلدان العربية، وعلى وجه الخصوص من البلدان التي أنجزت ثورتها، في تونس وفي مصر. وقد اعترف المجلس الوطني الانتقالي الليبي بنا منذ البداية، لكننا نأمل أيضا في الحصول على اعتراف من أوروبا. ولهذا، لا بد من الشروع في إجراء مشاورات مع الدبلوماسية الأوروبية.
*برهان غليون: عالم اجتماع وأستاذ بجامعة السوربون، وهو الآن رئيس المجلس الوطني السوري.
*نشر هذا الحوار تحت عنوان:  Burhan Ghalioun: “dialoguer avec le régime syrien actuel, c’est impossible”

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock