آخر الأخبار-العرب-والعالمالسلايدر الرئيسيالعرب والعالم

برواية تثير الشكوك.. قبطان السفينة التي انفجرت شحنتها في بيروت يخرج عن صمته

بيروت – “شعرت بالذعر”، بهاتين الكلمتين وصف القبطان السابق لسفينة الشحن “روسوس” بوريس بروكوشيف الشعور الذي انتابه عند مشاهدته الانفجار في مرفأ بيروت. و”روسوس” هي السفينة التي وصلت إلى بيروت محمّلة بـ2750 طناً من نيترات الأمونيوم، عام 2013.

خرج القبطان، روسي الجنسية، عن صمته وروى تفاصيل تلك الرحلة التي بدأت منذ أكثر من ست سنوات، وبدأ معها العدّ التنازلي للكارثة التي شهدتها بيروت مساء الرابع من آب/ أغسطس 2020.

في اتصال مع صحيفة “نيويورك تايمز” من مقر إقامته في سوشي على البحر الأسود، وفي مقابلة أخرى مع صحيفة “سيبريال” الروسية، استعاد بروكوشيف محطات تلك الرحلة التي تقول الرواية الرسمية إنها بدأت من جورجيا متجهة إلى الموزمبيق.

وإن حملت رواية القبطان – الذي قد يعتبره البعض “شاهداً ملكاً” في القصة – تفاصيل عديدة حول ما جرى، إلا أنها زادت التساؤلات بشأن السبب الذي جعل بيروت وجهتها النهائية بعد شهرين على انطلاقها من جورجيا، معززة الشكوك حول ما إذا كان توقفها في بيروت سوء حظ أم كان مخططاً له منذ البداية.

تفاصيل الرحلة

في التفاصيل التي أوردها القبطان في تصريحاته الإعلامية هو أن السفينة التي كانت ترفع آنذاك علم مولدوفيا استأجرها رجل أعمال روسي يعيش في قبرص يُدعى إيغور غريتشوشكين، لنقل شحنة نيترات الأمونيوم من ميناء باتومي على البحر الأسود في جورجيا إلى ميناء بيرا في موزمبيق. خلال الرحلة، توقفت السفينة في تركيا نتيجة خلاف مع البحارة الذين تركوا السفينة.

تخلى طاقم البحارة عن سفينة روسوس في تركيا مطلع أيلول/ سبتمبر عام 2013، وتبيّن لاحقاً أنهم أقدموا على ذلك بسبب عدم تسلمهم رواتبهم لأربعة أشهر متواصلة. نتيجة لذلك، بحث غريتشوشكين عن طاقم بديل يتابع رحلة السفينة إلى موزمبيق، وعندها تواصل مع بروكوشيف، وفق رواية الأخير، ليقود الرحلة.

يقول بروكوشيف إنه كان قد عمل قبطاناً على تلك السفينة قبل عام على طلب غريتشوشكين منه قيادتها مجدداً، وبالتالي فهو يعرفها جيداً، وقد وافق على الطلب لهذا السبب فضلاً عن أنه كان بحاجة للمال في تلك الفترة، وقد فكر أن مبلغ المليون دولار المدفوع لغريتشوشكين مقابل إتمام المهمة ليس بقليل أبداً كما أن الأخير روسي الجنسية، أي أنه من أبناء بلده، على عكس المالكين القبارصة السابقين الذين عمل معهم ودفعته خلافاتهم لترك العمل.

حين وصل إلى تركيا، شعر بروكوشيف أن الوضع “مشبوه”، فقد كان الطاقم يتغيّر ثم عرف لاحقاً أن أفراده اتصلوا بالاتحاد الدولي للملاحة كي يشتكوا من عدم دفع رواتبهم، بينما كان غريتشوشكين قد أخبره أنهم غيّروا رأيهم لأن الرحلة إلى موزمبيق طويلة. لم تكن السفينة كذلك بأفضل حال، فقد كانت بحاجة لصيانة يومية نتيجة ثقب فيها. يقول بوروكشيف: “فكرت حينها بالمخاطر، لكن المقابل المادي للرحلة شجعني على الإكمال”.

خيوط الجريمة تعود إلى عام 2013… ما ظهر من قصة الشحنة القاتلة التي انفجرت في مرفأ بيروت

انفجر الفساد في وجوهنا وقتلنا

“ما توقّعت عيش الحرب من جديد”… بيروت في لحظات كأنها دمشق في سنوات

يخبر القبطان أنه تواصل مع غريتشوشكين المقيم في قبرص قائلاً إنهم لا يملكون مالاً كافياً يخولهم عبور قناة السويس وغريتشوشكين أخبره بدوره أنه لم يعد قادراً على تأمين المال الكافي للعبور، طالباً منه التوجه إلى ميناء بيروت لتحميل شحنة آلات ستوفر لهم الأموال اللازمة لعبور قناة السويس.

هكذا وصلت السفينة إلى بيروت بعد شهرين على إبحارها من جورجيا.

ماذا جرى في بيروت؟

بحسب بروكوشيف، فقد وجد عند وصوله إلى العاصمة اللبنانية أن السفينة لن تتمكن من تحميل الآلات لأنها قديمة (كانت قد بلغت من العمر بين 30 و40 عاماً)، ولن تتحمل المزيد من الأوزان إذ بدأت تغوص تحت وطأة الثقل الهائل للحمولة، ما شكل خطراً عليها من الغرق، وبعد ذلك قرر ركاب السفينة أن تغادر المرفأ بدون أخذ الشحنات، وأن تتوجه إلى قبرص حيث يقيم غريتشوشكين.

يخبر القبطان أنه تواصل مع صاحب السفينة قائلاً إنهم لا يملكون مالاً لعبور قناة السويس، فأخبرهم أنه غير قادر على تأمين المال، طالباً منهم التوجه إلى بيروت لتحميل شحنة آلات ستوفر الأموال اللازمة… تفاصيل رحلة “روسوس” من جورجيا إلى بيروت كما يرويها قبطان السفينة الروسي

عند هذه النقطة، بدأت الأمور تتعقّد أكثر. يقول القبطان إن فريق السفينة اكتشف أن مالكها لم يكن يدفع أجور من كانوا يعملون معه، فقرروا الإضراب قائلين إنهم لن يتابعوا الرحلة، معلقاً “مع ذلك، كان يمكن أن أقنعهم بالتوجه إلى قبرص القريبة، لكن السلطات اللبنانية منعتنا من التحرك”.

وفق كلام القبطان، فقد تبيّن أن السفينة مديونة للسلطات اللبنانية بمبالغ من المال لقاء رسوّها في الميناء مرات سابقة، كما كان ينبغي عليها أن تدفع كذلك مقابل رسوّها هذه المرة.

إضافة للمسألة المالية، وجد المسؤولون اللبنانيون أن السفينة غير صالحة للإبحار واحتجزوها، وعندما حاول البحارة الاتصال بغريتشوشكين للحصول على المال للوقود والمواد الغذائية وغيرها من الضروريات، فشلوا في الوصول إليه. وقتها يستذكر بروكوشيف أنه قال: “على ما يبدو أنه ترك السفينة التي استأجرها”.

يقول القبطان الروسي: “بقينا محتجزين 11 شهراً على متن السفينة الراسية في مرفأ بيروت دون أن يهتم أحد لأمرنا. كنت أكتب الرسائل للرئيس فلاديمير بوتين كل شهر، ولم يصلني منه أي رد. ومالك السفينة الذي حصل على مليون دولار مقابل نقل شحنة نيترات الأمونيوم أعلن انه لا يملك المال ليحرر السفينة من بيروت ولا حتى ليدفع أتعاب محام يترافع عنا حتى تُخلي السلطات اللبنانية سبيلنا”.

يوضح القبطان أن ستة من أفراد الطاقم عادوا إلى ديارهم، لكن المسؤولين اللبنانيين أجبروه مع ثلاثة من أفراد الطاقم، أوكرانيي الجنسية، على البقاء على متن السفينة إلى أن يتم حل مشكلة الديون، بينما أسهمت قيود الهجرة اللبنانية في منعهم من مغادرة السفينة، حتى أنهم جاعوا وكان عمال المرفأ يعطفون عليهم ويمدونهم بالطعام.

في المقابل، يعلق بروكشيف قائلاً: “لم يُظهر المسؤولون في المرفأ أي قلق بشأن شحنة السفينة شديدة الخطورة، لقد أرادوا فقط الأموال التي ندين بها لهم”.

شكوكٌ إضافية

وقتها، جذبت قضية بروكشيف ورفاقه الانتباه في أوكرانيا وروسيا، وقد وصفت التقارير الإخبارية الطاقم العالق بأنهم “رهائن محاصرون على متن سفينة مهجورة”.

وتابع صحافيون القضية، ومنهم الباحث والكاتب في الشؤون البحرية ميخاييل فويتنكو الذي كتب لصحيفة “فليت مون” الروسية عام 2014: “كانت سفينة الشحن العامة روسوس قد وصلت إلى بيروت، لبنان، في تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي. كانت السفينة المحملة بنيترات الأمونيوم متجهة إلى بلد آخر، والسبب الذي رست لأجله في بيروت غير واضح، ربما للتزود بإمدادات أو بسبب بعض المشاكل التقنية. تم احتجاز RHOSUS بعد إجراء تفتيش PSC (الرقابة في دول الميناء/ Port State Control)، والذي وجد عدداً من أوجه القصور. منذ ذلك الحين، تقف السفينة في بيروت”.

وأضاف “حتى الآن لم يبق على متنها سوى أربعة أفراد، القبطان من الجنسية الروسية، وثلاثة أفراد آخرين من الجنسية الأوكرانية. كانت السفينة مملوكة ومدارة من قبل السيد Grechushkin Igor، وهو مواطن روسي مقيم الآن في قبرص (آخر مدير معروف Teto Shipping، قبرص). في الواقع، تم التخلي عن RHOSUS، إذ قُطع التواصل مع المالك، وهو لا يدفع رواتب، ولا يوفر الإمدادات. أعلن مالك الشحنة التخلي عنها أيضاً”.

وبحسب رواية بروكوشيف، تمكن بعد مرور نحو 10 أشهر من بيع وقود السفينة الراسية، وبالمال استعان ورفاقه بمحام لبناني ترافع عنهم في المحكمة، فأفرج القاضي عنهم في النهاية، لكن السلطات اللبنانية رفضت إخلاء سبيل السفينة المحملة، بحجة الضغط على صاحبها كي يسدد ديونه.

ومكتب المحاماة هو “بارودي وشركاه”، بحسب ما جاء في موقع “Shiparrested” الذي نشر عام 2015 تقريراً كتبه كل من شربل داغر وكريستين مقصود، المحاميان في المكتب، وهو الذي تقدم بطلب لقاضي الأمور المستعجلة يسمح للطاقم بالنزول والعودة إلى الوطن، بحجة انتهاك الحق في الحرية الشخصية الذي يكفله الدستور اللبناني واتفاقيات حقوق الإنسان، مع تركيزه على تأمين سلامة الطاقم بسبب تواجده في المكان نفسه مع مواد “خطيرة” في مخازن السفينة. ساعده في ذلك حملة التضامن الدولية التي سعى طاقم السفينة إلى استدراجها، مع التلويح بأزمة دبلوماسية.

وفق تصريح القبطان، كانت السفينة قديمة ومثقوبة في أحد أطرافها، وكان الطاقم على علم بهذا الثقب ولذلك كانت أولى مهامه عند كل صباح ضخ كمية المياه التي تسربت داخل السفينة إلى البحر. ولكن بعد أن تم إخلاء سبيل الطاقم ومغادرته السفينة، بقيت الأخيرة تمتلئ بالماء، ولم تكن إدارة المرفأ معنية بإصلاحها، فقررت إفراغها من شحنتها وتركها وشأنها.

رواية قبطان “روسوس” التي حملت نيترات الأمونيوم إلى بيروت تكشف تفاصيل عديدة، إلا أنها تزيد التساؤلات حول السبب الذي جعل بيروت وجهتها النهائية بعد شهرين على انطلاقها من جورجيا نحو موزمبيق، معززة الشكوك حول ما إذا كان توقفها في بيروت كان سوء حظ أم مخططاً له

يعتبر بروكوشيف أن المسؤولين اللبنانيين أخطأوا عندما أصروا على حجز القارب والاحتفاظ بشحنة نيترات الأمونيوم في الميناء، مضيفاً أنه علم أن السفينة غرقت في عام 2015 أو 2016، وقد تفاجأ أن الانفجار تأخر كل هذا الوقت.

يوضح القبطان أنه وعلى مدار ست سنوات كان يحاول تقصي المعلومات حول الجهة التي كانت تنتظر الشحنة في موزمبيق من دون نتيجة، إذ لم يعرف من دفع الملايين لقاء الحصول عليها ولم يهتم بمتابعتها أو محاولة تحريرها من مرفأ بيروت. ولبروكشيف دين على غريتشوشكين بـ 60 ألف دولار لم يحصل عليها، في حين أن رجل الأعمال الروسي لا يزال مختفياً كما لم يرد على اتصالات وسائل إعلام عدة حاولت أخذ روايته حول قصة الشحنة.

تزداد الشكوك حول خفايا هذه القصة مع تعدد الروايات عن سبب رسو السفينة في بيروت، بين من يقول إن عطلاً فنياً أجبرها على التوقف هناك وبين الحديث عن مرورها لتحميل آلات من بيروت وبين عدم تمكن أي جهة معنية من تحديد الطرف المزعوم الذي اشترى هذه الشحنة في موزمبيق، فيما بدا مستغرباً إصرار الجهات المسيطرة على المرفأ اللبناني على الاحتفاظ بها طيلة هذه المدة بينما كان ينتظر عرضها في مزاد علني، أو إتلافها بطرق السليمة.

وتعززت الشكوك حول قصة هذه الشحنة، مع ما تكشف لاحقاً من طريقة تعامل الجهات اللبنانية المعنية معها، سواء من إدارة الجمارك التي أظهرت وثائق إصرارها على بيع الشحنة لجهة محددة دون غيرها، والإرباك الحاصل بين صلاحية إدارة الجمارك وعدم متابعة “هيئة القضايا” التابعة لوزارة العدل المسألة بأقصى درجات الجدية، فيما تُطرح أسئلة أخرى حول ما إذا سعت السلطات اللبنانية جدياً للتواصل مع بلد المصدر والبلد المستقبل لهذه الشحنة.

بموازاة هذه الروايات، حاول متابعون ربط هذه الشحنة بـ”حزب الله” اللبناني من خلال استعادة تقارير أجنبية نُشرت في مراحل مختلفة حول ضبط مستودعات من هذه المادة تعود لعناصر تابعين له في ألمانيا ولندن والكويت وغيرها من الدول، في وقت تحدث آخرون عن نفوذه ودوره في السيطرة على “العنبر 12” في المرفأ، حيث كانت البضاعة مخزنة.

لا روايات مؤكدة وكاملة حتى الساعة، بينما قد تخرج تكهنات عدة تصب في إطار الكيدية السياسية أكثر من كونها حقائق دامغة، لكن الأكيد أن وراء رحلة روسوس منذ بدايتها وحتى انفجار شحنتها بشكل كارثي في بيروت ألغاز عدة، قد تجيب عنها الأيام المقبلة وقد يبقى الكثير منها غامضاً. رصيف22

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
47 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock