صحافة عبرية

بروتوكولات من كفر قاسم

هآرتس
بقلم: عوفر اديرت – 31/7/2022
“القائد قال إن من المرغوب فيه أن يكون هناك عدد من القتلى”، هكذا شهد قائد فصيل حرس الحدود في القطاع الذي نفذت فيه المذبحة في كفر قاسم في العام 1956، التي قتل فيها 50 عربيا من مواطني إسرائيل على يد جنود حرس الحدود. هذه الشهادة نشرت في صباح الجمعة الماضي في محاضر لمحاكمة كفر قاسم.
البروتوكولات التي كانت سرية منذ المذبحة تم الكشف عنها للجمهور من قبل وزارة الدفاع بفضل التماس المؤرخ آدم راز من معهد أبحاث “عكفوت”. الدولة رفضت في البداية نشر البروتوكولات بذريعة أن مضمونها يمكن أن يعرض أمن الدولة للخطر.
حاييم ليفي، قائد الفصيل الجنوبي لحرس الحدود، الذي كانت كفر قاسم ضمن القطاع المسؤول عنه الفصيل، سئل في المحاكمة في 1957 من قبل المحامي آشر ليفتسكي: “دائما أنت تدخل موضوعا وكأن القائد قال إنه من الأفضل أن يكون هناك عدد من القتلى. فهل قال من الأفضل أو إذا كان”. القائد الذي تطرق اليه هو العقيد يسخا شدمي. على ذلك أجاب ليفي: “لا هذا ولا ذاك”. هو قال: “من المرغوب فيه أن يكون هناك عدد من القتلى”. بعد ذلك سأل المحامي: “رغم ذلك، هو أكد عدم القتل. صحيح؟”، وليفي أجاب: “أنا لا أرى أي فرق”.
مذبحة كفر قاسم وقعت في اليوم الأول من حرب سيناء في تشرين الأول (أكتوبر) 1956. عرب إسرائيل كانوا في حينه يخضعون للحكم العسكري. في تلك الفترة كان هناك خوف في الجيش الإسرائيلي من أن المواجهة مع مصر في القطاع الجنوبي ستتطور الى حرب شاملة. لذلك، تم فرض حظر التجول على سكان القرية التي كانت قرب الحدود. ولكن جزء منهم لم يعرفوا عن ساعة حظر التجول. لأنهم كانوا يعملون في ذلك الوقت خارج القرية. عند عودتهم أطلقت النار عليهم على يد جنود حرس الحدود وقتلوهم. عدد القتلى، كما يقول سكان كفر قاسم، هو خمسون، من بينهم شيوخ ورجال ونساء وأطفال.
في شهادته، أكد ليفي أنه سمع أمر “حكمهم مثل حكم الجميع” في تطرقه لإطلاق النار على المواطنين الذين كانوا عائدين من الحقول بعد ساعة على حظر التجول. وحتى أنهم لم يعرفوا أن هذه الساعة تم تقديمها. بعد ذلك سئل: “هل منطقك لم يقل لك إن خرق حظر التجول يعني أن الشخص يعرف أن هناك حظر تجول؟”. ليفي أجاب بنعم. بعد ذلك سئل: “كيف يمكنك القول إن شخصا ما قال لك أن تقتل أشخاصا لا يعرفون أن هناك حظر تجول؟”. وهو أجاب: “لأنه أعطي لي أمر كهذا… الآن أنا أجد أن هذا لم يكن منطقيا. في حينه اعتقدت أن هذا منطقي”.
ليفي سئل مرة أخرى: “لماذا ظهر لك قتل أشخاص لا يعرفون عن حظر التجول أمرا منطقيا؟”. أجاب: “لقد فهمت أن هذا ما يجب أن يكون. فهمت أن هذه هي السياسة والرغبة. من خلال القول إن من تتم مشاهدته يجب أن يتم قتله. فهمت ذلك من خلال الأمر الذي أعطي. المزاج حسب اعتقادي كان بهذا الاتجاه. عندما عملنا من أجل هدف معين أو مهمة معينة فهمت ذلك كأمر منطقي. مع كل المشاعر الإنسانية فإن الحرب هي الحرب”.
ليفي سئل: “مم فهمت أن السياسة هي التخلص من العرب؟”. أجاب: “الأمر لم يعط خطيا، بل شفويا. قائد الكتيبة قال إن الجهة الشرقية ستكون مفتوحة. إذا أرادوا الذهاب فليغادروا. افهموني أن هذا لن يكون كارثيا إذا غادروا في هذه الفرصة”. في هذه المحاكمة تطرق ليفي الى خطة للطرد، سواء الطرد بصورة فعلية أو بصورة سلبية، لعرب المثلث.
هذه الخطة التي سميت “الخلد” تم حفظها في النهاية ولم تطبق. وقد كشفت للمرة الأولى في السابق من قبل روبيك روزنطال، لكن تفاصيلها الكاملة لم تنشر في أي يوم. الشهادات التي يتم نشرها الآن في البروتوكولات تسمح بإلقاء نظرة جزئية على تفاصيل الخطة كما قدمت في غرف مغلقة في محاكمة المتهمين بارتكاب المذبحة في كفر قاسم.
ليفي سئل، في هذا السياق: “ما الصلة بين هرب العرب وأمر إطلاق النار على من يخرق حظر التجول؟”. أجاب: “العلاقة هي أنه نتيجة لذلك، فإن عددا من السكان سيصابون بالخوف ويقررون أنه من الأفضل أن يكونوا في الجانب الآخر. أنا أفسر ذلك هكذا”. وسئل بعد ذلك: “إذا كان تنفيذ حظر التجول يمكن أن يساعد على زيادة الرغبة في الهرب”؛ أي إذا كانت هناك علاقة، حسب فهمه، بين حظر التجول وبين تشجيع العرب على المغادرة، على ذلك أجاب ليفي بالإيجاب.
في البروتوكولات تم اقتباس عدد من الجمل في الخطة المحفوظة والسرية. إحدى الجمل تقول: “بيان لشيوخ القرية عن إخلاء”، دليل على أنه كانت هناك في الأصل خطة للطرد أو الترانسفير لعرب المثلث أو قسم منهم، إذا اشتدت الحرب. في جزء من الشهادات تم الحديث عن طردهم نحو الشرق. ولكن في شهادات أخرى يتبين أن النية كانت طردهم من بيوتهم الى أماكن أخرى داخل حدود إسرائيل. على أي حال، الخطة التي لم يتم حتى الآن الكشف عن تفاصيلها الكاملة بقيت على الورق. شهادة حاييم ليفي تطرقت أيضا الى جوانب أخرى في خطة “الخلد”: “إنشاء معتقلات” و”نقل أشخاص”، حسب قوله. أي اعتقال عرب إسرائيليين في منشآت اعتقال وطردهم من بيوتهم.
في البروتوكولات ظهرت شهادات عدة لجنود، فسروا أمر حظر التجول في قرى المثلث وكأنه استهدف إلقاء الرعب في قلوب السكان، مواطني إسرائيل، أو تشجيعهم على الهرب. “الهدف الأول هو إبقاؤهم في البيوت. والهدف الثاني هو أنه في المستقبل ستكون حاجة بدرجة أقل للتخويف والاحتفاظ بقدر أقل من القوة البشرية لأنهم سيكونون كما يبدو أغناما ساذجة”، قال أحد الجنود. “هل شرحت للوحدة التي تحت مسؤوليتك في مجموعة الأوامر التي أعطيتها بأن هناك توجها لإبقاء عدد من القتلى خلفكم في كل قرية؟”، سئل وأجاب بنعم: “قائد الكتيبة قال إنه من المرغوب فيه أن يكون هناك عدد من المصابين، والقصد هو قتلى… أنا قلت إنه من المرغوب فيه أن يتم ضرب البعض منهم… حتى يكون هناك في المستقبل هدوء ولا نكون بحاجة الى الاحتفاظ بقوة بشرية في هذه القرى…”.
جندي آخر قال في شهادته: “الطريقة ستكون كالآتي: أن نفرض عليهم خوفا جديا عن طريق حظر التجول. كان هناك توجه وهو أن يتم ترك عدد من القتلى في كل قرية من أجل أن تفتح الحدود في الغد، وعندها العرب سينقسمون الى قسمين، الذين سيهربون الى ما وراء الحدود والذين سيكونون أغناما وديعة ولن يفعلوا أي شيء”. حسب شهادة أخرى، الهدف كان “تخويف العرب حتى يهرب جزء منهم، والجزء الذي سيبقى سيكون مخلصا أكثر للدولة وسيجلس بهدوء”.
قائد المنطقة الوسطى في زمن المذبحة في كفر قاسم، الجنرال تسفي تسور (الذي تم تعيينه بعد ذلك رئيسا للأركان)، سئل إذا كان من الصحيح القول إنه في حالة الحرب “سيكونون راضين عن انتقال السكان العرب نحو الشرق”. وقد أجاب عن ذلك: “أنا مستعد للاتفاق معك بأنه كان هناك مكان أيضا لمثل هذا التفكير”. مع ذلك، أكد تسور أنه لم تكن هناك سياسة كهذه، بل فقط “تفكير” في هذا الأمر.
البروتوكولات تضمنت أيضا أجزاء من شهادة قائد القطاع شدمي، الذي كان الضابط الأعلى رتبة الذي تم تقديمه للمحاكمة بسبب دوره في المذبحة وتمت تبرئته في نهاية المطاف من القتل. “كل شخص يعرف بواطن الأمور يعرف أن العرب الإسرائيليين يمكن أن يشكلوا مشكلة مقلقة جدا، وربما عائقا، بخصوص كل عملية كان من شأنها أن تحدث في المثلث”، قال في شهادته. وعندما سئل “هل نحن نرحب جدا بأن يغادروا حدودنا”، أجاب “أنا لا أعتقد أن هذا يعد سرا”. في التطرق لسؤال هل حظر التجول أو إطلاق النار على خارقي حظر التجول يمكن أن يشجع على هرب سكان كفر قاسم الى ما وراء الحدود، أجاب: “هذا يمكن أن يشجع هذا التفكير… قتل عدد من الأشخاص كوسيلة للتخويف (يمكنه) تشجيع التحرك نحو الشرق شريطة الرمز (للعرب) بشأن التحرك شرقا”.
البروتوكولات تضمنت شهادة شموئيل ملينكي، قائد كتيبة لحرس الحدود، التي كانت تنتشر في المنطقة، تم الحكم عليه بالسجن بسبب دوره في المذبحة. ملينكي شهد أنه سأل شدمي ماذا عليه أن يفعل بالنسبة لسكان القرية الذين سيعودون اليها من الخارج بعد انتهاء حظر التجول، من دون أن يعرفوا عن وجود حظر تجول. “سألت شدمي: ما مصير المواطن العربي في هذا الوضع… ربما سيعود في المساء من قرى أخرى أو من الحقول أو أنه حتى لا يكون يعرف عن حظر التجول في القرية”. حسب قوله، شدمي أجاب: “أنا لا أريد مشاعر. وأنا لا أريد أي اعتقال”. عندما أصر ملينكي على الحصول على جواب، أجاب شدمي، حسب قوله، باللغة العربية “الله يرحمه”، أي ليمت.
أحد قادة الفصائل، غبرئيل دهان، قال إنه تلقى أمرا بإطلاق النار على العائدين. وحسب قوله، عندما سئل ملينكي من قبل أحد مرؤوسيه عن مصيرهم، أجاب: “من دون مشاعر، من الأفضل أن يكون هناك بعض القتلى كي يسود هنا هدوء في المنطقة”. بعد ذلك شهد دهان: “لقد وجدت نحو 30 عربيا قتلى”. وحسب رأيه، عندما سأل الجندي الذي كان يقف الى جانبه فيما إذا كان هو المسؤول عن ذلك، أجابه بأنه “أنزلهم من السيارات وهم بدأوا يهربون، وهو أطلق النار عليهم”. دهان شهد بأنه أيضا أطلق النار وقتل عددا من المدنيين: “ثلاثة رجال، أردت الاستيضاح من أين جاؤوا. بدأوا يصرخون: لماذا تقومون باعتقالنا. اسمحوا لنا بالذهاب، وبدأوا بالاستدارة. حاولوا الهرب. أنا أمرت بإطلاق النار عليهم. وأنا أيضا قمت بإطلاق النار. قتلنا الثلاثة”.
ثمانية جنود تمت إدانتهم في النهاية بتهمة التورط في هذا العمل وحكم عليهم بالسجن، لكن أحكامهم تم تخفيضها. وبعد ذلك جميعهم أطلق سراحهم دون أن يقضوا معظم العقوبة. جزء منهم حظوا فيما بعد بوظائف من قبل الدولة. في محاكمة منفصلة تم تقديم شدمي للمحاكمة، وقد تمت إدانته بجريمة تجاوز الصلاحيات.
ممثلون رسميون إسرائيليون اعتذروا عن المذبحة في مناسبات عدة في العقود الأخيرة. في كفر قاسم تمت إقامة متحف لذكرى القتلى. ولكن مشروع قانون للاعتراف رسميا بالمذبحة وتخليدها تم رفضه في السنة الماضية وأثار ضجة سياسية.
عيساوي فريج، وزير التعاون الإقليمي، وهو من سكان كفر قاسم الذي قتل عدد من أبناء عائلته في المذبحة، رد في منشور في “فيسبوك”: “أخيرا أنا أقرأ الكلام الذي حلمت بأن أقرأه طوال حياتي. الشهادات عن القتل المخطط له، وعن البوابة الشرقية لكفر قاسم التي بقيت مفتوحة على أمل أن يفهم الناجون الرسالة ويهربوا”. فريج تطرق لخطة الطرد وقال “رغم أنها لم تنشر رسميا، إلا أنها حاضرة في كل صفحة في بروتوكولات المحكمة”. فريج شكر آدم راز، وقال “هو مؤرخ يسعى الى العدالة والحقيقة، وقد قاد النضال ونجح. ومن دون تصميمه فإن هذا اليوم لم يكن ليأتي”.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock