أفكار ومواقف

“بسْ إنتَ”!!

بناتي كبرن.. صرن صبايا صغيرات، وأشعر بمتعة خرافية وأنا أحادثهن على الهاتف!


كأن ضحكاتهن الصغيرة تخمش قلبي.


لكنها متعة دامعة، حين أسأل واحدة من سيداتي الأميرات الثلاث: أطلبي مني أي شيء، ماذا ينقصك؟ فتقول بحسرة: «بس إنت»!


***  


للطفلة سحرٌ آخر… ضحكتها، بكاؤها، حردها، دلعها، نومها على ركبة الأب، دفاترها الملونة، نقش أساورها، وحنان قلبها الذي حين أحتضنها…. يا إلهي كم يشبه رفيف فراشات ملونة على قميصي!


يكون البيت موحشاً دون ضحكات البنات، وتخفت رائحة الياسمين المتعربش على الحيطان، ويصير الشاي مُرّاً، وتبرد ألوان الستائر، وكم أشعر بالوحدة حين لا أسمع موسيقى خطواتهن الصاعدة الدرج!


ترتبك أيامي إن ما بدأت بصباحاتهن المتثائبة، وإن ما نفضن شعرهن المبلل في وجهي، وعبأن جيوبي بالأمل.


تبقى قبلاتهن على وجهي عطراً خفيفاً، وعناقاتي لهن أظلّ أحملها كالتميمة، تحفظني من وحشة المدن البعيدة، وأصابعهن تربت على كتفي أنىّ ابتعدت.


للبنات في البيت رائحة الأمومة، طعم الرضا، دلع الصديقات المدللات، وطيش النساء اللواتي يثقن بكيدهن.


فساتينهن الملونة، أحذيتهن، خواتمهن، مشابك شعرهن، عطورهن، ألعابهن ودببتهن،… وكأس الشاي الذي من يد طفلتي “يعادل كل خصور النساء وكل العواصم”!


ضحكات الصغرى تتساقط على سريري كالخرز الملون، والوسطى تعدّ بأصابعها شعراتي البيضاء، والكبرى تحاول استدراجي: تعال نغسل مزاجك الملول برحلة للبحر؟


وأنا بينهن كسلطان!


ثلاثُ بنات كالأغنيات، كالأساور، كثلاثة أسماء للبهجة، يشبهن ورداً ينهض من نومه، أو ثلاث عرائس يرقصن على غيم خفيف، فيتركن ما يترك الندى على ورق شجرة الدراق.


أو ربما أنهن موسيقى خفيفة لا تشبه أكثر من خفق القلب.


للطفلة في البيت وقعُ الطائر، خفة النحلات، مرحُ التلميذات على درج المدرسة، لضحكاتها ما يجعل حتى طعم النهار أحلى!


ولما تمدّ يدك تدفعها على «الأرجوحة»، فتصيح بك أن تدفعها أكثر.. لترتفع في الهواء أكثر، يطير قلبك خلفها ويعود معها، ويعود يطير معها، «كأن هذه البنت روحي»… تقول لنفسك!


وتجيء الصغرى تمد وجهها تقبّلك وتركض، وتلوّح بشعرها قبل أن تنعف في حِجرك ضحكاتها الحنونة، وتقطف من شجرة قريبة بعض فتات الياسمين، تفركه بوجهك، وترميه في عبّ قميصك، تعود تقول “يا الللله.. هذه البنت أجمل ما صنعتُ في عمري”!


وإذ ترتبك الكبرى الصموتة، تودّ لو تمازحك وتتهيب، وتتوق أن تتركض معك وتلاعبك وتحضنك، لكنها خجلى، وقليلة الكلام، تقول في نفسك “يا اسمي، ويا قهوتي، ويا خيوط قميصي، ويا تفاصيل دمي تعالي أقبّلك كثيراً. لم يبق لي في هذه الأرض الكثير”!


……


أيتها الصبايا الصاعدات إلى أعمارهن على الدرج المقابل لنزولي، تمهلن قليلاً؛ أريد أن أراكن أكثر!

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ورود حياتي
    تحياتي للكاتب
    اعتقد ان البيت الخالي من البنات لا يوجد فيه حياة كامله وانما حياة لا طعم لها او لون لان البنات هن من يصنعن الحنان والحب والدفء والسعاده.
    هذا رأي لاني اعيش البهجة الدائمه والفرحة الكامله بوجود بناتي من حولي ولا احب مفارقتهن لي حتى لبضع ساعات وانتظر عودتهن من المدرسة والجامعه وكأنهن غبن عني زمنا طويلا وتعود الحياة الى البيت بعودتهن………

  2. ….
    أستاذ جابر..
    شكراً لأميراتك الثلاث
    اللاتي نثرن في صباحي ذكريات تعبق بالياسمين..
    قرأت ما كتبت مرة،،اثنتان،، وربما سأعيد القراءة مرات ومرات
    لقد أخذتني إلى ذاك العالم السحري..وأعدت لمخيلتي ذكريات الطفولة أبي..أنا..وشقيقتاي الصغيرتان..

    ثلاث بنات كالأغنيات..كثلاثة أسماء للبهجة..لا حرمك الله من ضحكاتهن
    و دمن كرونق زهر اللوز..

  3. اشعلت قلبي حنانا
    اشعلت قلبي حنانا و تمنيت ان يكون اول مولود لي بنت
    فشكرا لك على مقالك المثير للعواطف شكرا لك

  4. اعتذر
    *استاذ ابراهيم
    لا اعرف لماذا اسمك في خيالي دائما جابر وليس ابراهيم!

    أستاذ ابراهيم .. مرة اخرى
    مقالك رائع

  5. البنات زينة الحياة
    فعلا انه مقال اكثر من رائع … كلمات من القلب … تثير الحنان والدفء
    الله يخليلك فراشاتك يا استاذ ابراهيم …

  6. العيال كبرت
    شامتة انا بك يا صديقي ابراهيم وانت تعترف في صباحنا هذا بكهولة اتيه لا ريب فيها،طبعا اعترافك هذا ليس بطوليا اوشجاعا كما قد يخيل لك! انت تعترف لأن الانكار لن يفيدك !لطالما تحدثنا وتبادلنا الخبرات حول الاعمار ودربها وهي هاجسنا الاكبر كما تعلم ، وسبق ان التقيت بصغيراتك الجميلات وافرحني حين قدمتني اليهن قائلا العمة بسمه ، كان سهلا ان المس مقدار الامومه التي تحيط بروحك المحتشدة بالفراشات !! اقر بكل ما ورد في مقالك عن البهجة التي تحدثها البنات في البيت، وانت تعرف ان احلى صديقاتي هن بناتي يارا وياسمين اهم مضادات الكآبه المتوفره لدي ويا ابرهيم :نحن ابناء جيل واحد صحيح ولكن لن اعترف حتى تحت التعذيب بأنني اكبرك بقليل! شكرا على مقالة رائعة رائعة ، صباح الخير

  7. رقي
    فعلا مقال الاستاذ ابراهيم معبر ومثير للمشاعر الصادقة
    أعجبني أحد الردود لشخص يقول تمنيت لو أن يكون مولودي الأول بنت
    والصراحة أشعر برقي هذا الشخص لهذا الكلام
    الرسول صلى الله ليه وسلم قال حديثا مفاده من عنده 3 بنات فرباهن فأحسن تربيتهن أدخلنه الجنة
    وهذا خير دليل على أن لا فرق في الاسلام بين ذكر وأنثى
    أعرف أني حرفت عن صلب الموضوع ولكني كم أتمنى أن يكون لي غدا حين أتزوج بنات كثر لأربيهن وأعلمهن وأفتخر بهن وأسعد بهن ويسعدن بي

  8. شكرا
    احيان يقول العنوان اكثر مما يقول المقال،وكعادته يتألق الاخ الفاضل بعنوان وتفاصيل تقف بنا وتذهب بنا حيث ننسى وحيث نحب

  9. بسمة النسور وابراهيم جابر
    نادرا ما يتواضع الكتاب ليكتبوا اعجابا بمقالات بعضهم.
    وانا كاتبة اردنية اريد ان اقول ان شفافية ورقي وجمال الصداقة التي بين ابراهيم جابر وبسمة النسور التي نراها دائما في تعليقاتها على مقالاته ، من اجمل وارقى علاقات الصداقة في الوسط الأدبي والثقافي. لطالما كنت شاهدة ومشاركة في جلسات نقاشهما ومزاحهما ومناكفاتهما وكنت أقول في داخلي هنا تتجلى وحدة وألق هذا الشعب ورقي أدبائه. بهذه العلاقات التي تشبه الموسيقى ورائحة شجر الليمون وبهذا الصدق نرد على المرضى بتقسيمات الجغرافيا وأعداء الجمال.
    ابراهيم وبسمة كلاهما من أهم كتاب القصة والمسرح في الأردن ، وكلاهما من المثقفين المتنورين ، ومن االناس الذين تجاوزوا بروحية نادرة وعظيمة وشفافة كل أسباب العزلة وأمراض المثقفين والنخب .. فهما كاتبين وانسانين جميلين جدا ويحملان روحين معبأتين بحب الناس والحياة والجمال .
    انحني احتراما لصداقتهما التاريخية ولهذا النموذج الراقي من التعامل بين كاتبين .

  10. هل يوجد حقا ؟
    هل هناك اب حقا بهذا الحنان والحب والرقة ؟
    نيالهم فعلا سيداتك الاميرات الثلاث
    فعلا بيطلع الهم يقولو : بس انت !!
    شو بدهم اكتر من هيك دلال ؟؟

  11. إنت و بس!
    مقالك سيدي الكاتب أضاف عندي عاملا لأحمد الله عليه و أقدره أكثر في هذا الصباح، أحمد الله على كوني بنتا، قد ذكرتني بروعة الأنوثة، بجاذبيتها و رقتها و نقاءها. نعم، كما الصحة و الجمال سببا لحمد الخالق، فالأنوثة أيضا سببا لذلك. أنت حقا تستحق لقب (أب).
    عندما يكون طلبنا من فلان ( بس إنت) عندهاتتمثل الحياة بأعيننا في هذا الإنسان…قمة الإحساس و الروعة.
    هنيئا لكن زميلاتي في الأنوثة على أن الباري قد اختار هذا الإنسان ليكون أبا لكن.

  12. ترى من يعوض خساراتي
    ابكيتني ايها الجابر ابكيتني حقا ؟؟ولم اكن احتاج ان ابكي ..اتذكر ..كم حردت وبكيت وتدلعت ونمت على ركبتيه ..كنت ملاكه الوحيد كنت فراشته الطائرة وعصفورته المدللة …ابكيتي حقا …أريد العَبرات تغسل كآبتي … واحزان البنت الخاسرة والتائه .
    ترى من يعوض خساراتي ؟من يغير طعم المرار الذي استوطن لساني وحلقي.. وأقام مملكة العلقم داخلي ؟من يعيد لي هناء البعيد… أو وهمَه الجميل ؟ من يُرجع حلاوة الماضي…ذاك الماضي الذي تناثر بين يديّ مرةً واحدة … دون مقدمات أو إشارات …
    فتعال يا أبي يا واهبني بصيص الحياة وبذرتها الأولى…تعال ايها الرجل الذي كان …ايها الراحل رحلتك النهائية وسفرك اللارجوع منه …تعال أعيد الحياة معك …لعلي أعرفك وأعرف نفسي من جديد …اغربل الماضي لأراك مجددا وأراني من بدء التكوين …
    لا هم لي الآن بعد رحيلك الا تذكرك وانعاش صورتك وإحياءك ..فلست مقتنعا ان عمل ابن آدم لا ينقطع من الدنيا …بل ينقطع وينتهي ويموت… إن لم يجد محبا يستذكره وبنتا تنعش ذكراه …افتقدك كثيرا يا اعزالناس…

    اعذرني استاذ ابراهيم ..اتمنى لك العمر المديد بجانب عائلتك ..

  13. مقال مدهش
    اثار مشاعر الناس كلهم .. وصديقاتي كلهم اليوم ما الهم سيرة غيره .
    انا قرأته اليوم على موقع العربية نت يبدو انهم ناقلينه عن الغد
    مقال اكثر من رائع لكاتب لم يعد يفاجئنا بروائعه

  14. هنيئا
    كنت ابكي عندما تهاتفتم واحمد جابر كنت ابكي واضعا خطوطا حمراء تحت ثلاثه ارباع المقاله فهذه كلمه جميله وهذه تذيب القلب وهذه اتمنى لو قيلت لي ولو حتى الان بالرابعه و العشرين كم انت انسان مليئ بكل شيئانت انسان مرهف قليله عليك هذه الكلمه لن اقول اكثر فلست ممن يحسنون الكتابه تحياتي لك ولاحمد فهو يقول انه مستمع جيد ولا يحسن الكتابه ولا الكلام…

  15. الى اختي سماح
    اهديك هذه المقالة لكي تعرفي كم بناتك غاليات وتبطلي (تنقي) بدك ولد … ههههههه
    قرئيها كمان لابو الخل جوزك

  16. الى الأخت هبه أسعد
    كلامك جميل ولكن الا تعتقدين بأنك شوهت معنى الحديث القائل "لا ينقطع عمل ابن آدم الا من ثلاث وذكر ولدٌ صالح يدعو له" اذاً اين الانقطاع تتحدثين عنه؟؟!!

  17. مقال رشيق البلاغة واللغة
    ويستحق كاتبه ان يتبوأ مكانة رفيعة بين كتاب الأدب العربي الحديث.

  18. من أصدق ما قرأت
    كيف بلغت كل هذا الحد من الدهشة لتصف قلبي وكل مامرّ بي مع والدي منذ عمر حتى أبكيت عيني على تلك اللحظات الهاربه خلف العمر …. وأراه الآن في وحيدتي مع والدها…وصفت فأبدعت فأذهلت كباقة ورد جمعت على مهل … لك التحية

  19. احساس أكثر من راقي
    لن أعلق بشيء ((مثلت كل حال مغترب فينا )) ..لازالت تلك اللحظة عالقة بذهني عندما كنت اودع اهلي قبل السفر ..كيف حضنتني بنتي وابني الصغير الذي لايتجاوز الثلاث اعوام ..كانهم يقولون لي خذنا معك …وكيف كان ابني الكبير بقف امام سيارتي يخفي دموعه نظرت لهما لأقراء ما فيهما يقول لي الى متى ستظل تفارقنا

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock