تحليل إخباري

بشرية الصحابة

عبدالرحيم الزعبي

البشرية تعني أن هناك صراعا نفسيا يدور بداخلهم بين دينهم ودنياهم، وذلك يعني أن الصراع قد يحسم تارة لصالح الدين وتارة لصالح الدنيا.
يبرز جمال الصحابة حين نرى المهاجرين يحسمون الصراع لصالح دينهم فيتركون الوطن والأهل والعشيرة ويهاجرون نصرة للدين، ويبرز جمالهم حين نرى مشاهد الإيثار والإخاء التي سطرها التاريخ لصالح الأنصار وهم يستقبلون إخوانهم المهاجرين! ويبرز جمال الصحابة حين نقف على مشاهد بذل المال والنفس رخيصة في سبيل الله!
يتفاوت الصحابة في عزيمتهم وقدرتهم على حسم الصراع لصالح دينهم، وذلك طبيعي. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يمكننا النظر إلى أبي بكر وعمر كنموذجين حسما هذا الصراع لصالح الدين بدرجة عالية جدا ومتفوقة على الآخرين، ويمكننا أن نحب عثمان حبا جما وهو يواجه مصيره ويرقى شهيدا بعد أن كابد إحراجا مزدوجا طرفاه شرار بني أمية والثوار على فسادهم وأثرتهم، فقد أطبقوا عليه إطباق المطرقة والسندان فصبر حتى لقي ربه شهيدا، ويمكننا النظر إلى استباق علي رضي الله عنه لحالة الصراع وحسمها لصالح دينه قبل وقوعها وهو يردد «يا دنيا غري غيري».
وفي المقابل، يمكننا أن نشاهد موعظة عمر لأبي موسى الأشعري وهو قائم بإمارة اليمن، حيث قال له عمر: «وقد بلغ أمير المؤمنين أن فشت لك ولأهل بيتك هيئة في مطعمك وملبسك ومركبك ليس للمسلمين مثلها، فإياك يا عبدالله أن تكون كالدابة، همها في السمن والسمن حتفها»، هذه الموعظة تشير إلى فترة غفلة تغلّب فيها جانب الدنيا على جانب الدين في حياة أبي موسى كأمير، ويمكننا أيضا أن نلحظ تغلب جانب الدنيا على الدين لدى بعض الصحابة في الفتنة الكبرى، وهو قد يكون تغلّبا شعوريا أو لا شعوريا.
مجتمع الصحابة لم يكن مختلفا عن مجتمعنا من حيث توزع الطباع البشرية بمحاسنها ومساوئها على أفراده بدرجات متفاوتة، وكلام الله قد تنزل بينهم وهو يحمل آيات تعينهم بل وتدفعهم دفعا إلى مغالبة بشريتهم وكسر حدة ما فيها من شح وحسد وحقد وأنانية وحب للظهور وسعي للجاه والمنصب والرئاسة، وهم رضوان الله عليهم لم يكونوا يستغربون من تلك الآيات، وذلك دليل كاف على أنها تخاطب طبائعهم.
أما حديث أفضليتهم فهو ليس كما يقدمه الدعاة والمحدثون لجمهورهم، فهم ليسوا على الدوام مجتهدين معذورين، وليسوا على الدوام ذوي نصيحة خالصة للدين، وليسوا على الدوام سليمي النية منزهين عن الغرض، لكن لهم أفضلية قد تنبع من إقبالهم على آيات قرآنهم واستعانتهم بها في مراجعة أنفسهم وتقويمها، وهم يتفاضلون فيما بينهم بحسب درجة تفاعلهم مع تلك الآيات.
حديث الدعاة عن الصحابة خارج عن المنطق ومناقض للبشرية، ناهيك عن كونه يلغي الفروقات الفردية بين آحاد الصحابة، فيوحد بين أبي بكر ومعاوية! إذ لا فرق بينهما ما دام كلاهما مجتهدا معذورا سليم النية منزها عن الغرض.
يطيب للمشتغلين بالدعوة أن يقدموا صورة وردية للصحابة ترقى بهم إلى درجة العصمة النبوية أو النورانية الملائكية! ويحلو لهم اتهام من لم يقتنع بتلك الصورة بالضلالة والانحراف، بعد ذلك نراهم يفتعلون معركة وهمية لرد الناس إلى «احترام الصحابة»، وينسون المعركة الحقيقية وهي رد الناس إلى التفاعل مع القرآن والسنة،
السلف أمة قد خلت ومن السهل توحيد الناس على الاعتقاد بأفضليتهم، وهذا حاصل، ولا سبيل لنكرانه، إذ يكفي أن نقرأ منشورا يتناول أحدهم لنجد هبة لا للذب عنه فحسب بل لتقديسه، والغريب أن هذه الهبة لا تقتصر على المتدينين فحسب، بل تمتد لتشمل من يعاقر الذنوب جهارا نهارا بلا وجل أو خجل.
وختاما أحب أن أشير إلى أن الصورة المثالية الرائجة عن الصحابة تكرس للقطيعة بين الناس ودينهم، فالنموذج المقدم لمن طبقوا الدين متجاوز لبشرية الناس، وذلك بلا شك يورث الإحباط والنكوص عن السير على الدرب.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock