خرجتُ من العمل في ساعة الغداء، وذهبتُ إلى مطعم الكباب العراقيِّ، الذي اعتدتُ فيه على مراكمة الدهون الثلاثية، ورفع مؤشّر الكولسترول فوق السيئ. عدتُ مشياً، وفي بالي حيلة مبتكرة للفرار مما تبقى من الدوام الطويل. من بعيد، شاهدتُ سيّارة شرطة واقفة أمام المبنى، وعلى سور قصير، يجلس شرطيان رائقان لا يستوقفان أحداً، كأنما يعرفان جيّداً ملامحي غير المميّزة، وموعد عودتي الثابت. هما إذن ينتظرانني، وأنا الآن بلا لبس في نظر العدالة: “فار”!
تواريتُ وراء جدار، ومن كوة صغيرة هي ما يحتاجها القنّاص، راقبتُ حركة الدخول والخروج من المؤسسة، وردود فعل الشرطيين. تجاهلا وجوه المارة، وأحدهما انشغل بهاتفه المحمول، ومال نحو زميله ليريه شيئاً ما، اعتقدتُ من وراء الجدار، أنّه صورتي، أو ربّما رسم تقريبي لملامحي غير المميزة. فكّرتُ أن أغادر المنطقة قبل وصول تعزيزات أمنيّة، وأدركتُ أن العودة إلى البيت مستحيلة، فلا بدّ أنه مطوّق بوحدات التدخل السريع، أما الهرب من منافذ الحدود، فهو فكرة سينمائية محروقة؛ إذ سيأتي رجل من دون ربطة قبل أن يستقر الختم على جواز السفر، ويطلب مني مرافقته بهدوء.
مشبوه، ومريبٌ كدتُ أقتربُ من الدوريّة لأقولَ “خذوني”، ففي سيرتي الغامضة جُنَحٌ معيبة لا يغفرها الناس، وجنايات لا يشملها عفو، وخطايا لا تسقط بالتقادم. كنتُ أنجو لأنّي أعرف كلّ جيوب الأرض، لكن السماء اليوم تخلت عني، ولن تسترني غيمة رمادية. انكشفتُ مثل الرائحة السيّئة، ولن ينفعني الهروب، هناك نهاية حتميّة تنتظرني مقتبسة من الأفلام المكتوبة لمصلحة الخير، فسأذهبُ إلى المركز الأمنيّ مخفوراً، تُغمّسُ أصابعي بالحبر، وتلتقط لي صور بدون تدخل “فوتوشوب”، وأودع بالنظّارة مع الساذجين الذين وقعوا في أول الطيش بقبضة العدالة، ثمّ سأكون في قاعة المحكمة باللباس الأبيض، والأحمر فيما بعد، وأسقطُ قبل إتمام الشهادتين في حفرة، وتدوّن مخرجة شابّة سيرتي في فيلم وثائقي على “يوتيوب” للعِبرة و”الجرسة”!
أقفُ وراء الجدار، ومن الكوة أراقبُ نظرات الشرطيين. فكّرتُ أنْ أتقدّم نحوهما وأبدي شعوراً مبالغاً بالندم على ما فعلت، وما قد أفعلُ من جنح وجنايات وخطايا، لكنّي تأكّدتُ أنّ الوقت قد فات، فسيضعان الأساور الحديدية في معصميّ، ويزجان بي في المقعد الخلفي. الندمُ خطأ ثان، لذلك ينبغي أنْ أقفَ ببأس شديد، وغرور إن أمكن، في صورتي الأخيرة التي سيلتقطها زملائي من وراء الزجاج المظلل. لن أقاوم، وسأمشي برأس مرفوعة كأيّ معتقل سياسي تدرّبَ طويلاً على دور البطولة، وسأبتسِمُ لعدسات الكاميرا، وأعتذر عن الكلام بكفي المغلولة للصحفيين اللحوحين. سأقفُ في قفص المحكمة كأنّي “عبد الله أوجلان”.. أو ثائر لاتيني أوقعت به وشاية.
اقتربت من الشرطيين، ولمّا حاذيتهما، نظرتُ نحو الأساور المعلقة في خصر أحدهما. رميتُ السلامَ كاملاً، وأعاداه إليّ بلا نقص. انتظرت أن يتعرّفا إليّ، ويتذكرا ملامحي غير المميزة. نظرتُ لمرة أخيرة، لم يكترثا لأمري، واستأنفا حديثهما. جلستُ على مكتبي، كالذي لم يجتز فحص الزواج، وكتبتُ في محرّك البحث السريع: “بطل”. فجاءت الخيارات: بطل قومي، مقدام شجاع، بطل مزيّف، بطل ثانٍ، بَطُلَ الشيء فذهب ضياعاً وهدراً.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock