ترجمات

بعد الانقلاب: إلى أين يسير التحول الديمقراطي في السودان؟

أريج الحاج – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 4/11/2021

بعد ردود الفعل الدولية والشعبية العنيفة التي أثارها انقلاب البرهان، قد تتطلع المؤسسة العسكرية مرة أخرى إلى التعاون مع حمدوك لاستئناف التفاوض على اتفاقية لتقاسم السلطة… وقد أرجع البرهان أسباب الانقلاب إلى فشل حكومة حمدوك في تكوين مجلس تشريعي ثوري حقيقي، وإلغاء مجلس شركاء الفترة الانتقالية، وإعادة هيكلة القوات النظامية، وإصلاح القضاء، وتشكيل المحكمة الدستورية”. كما ادعى أن المطالب الثورية التي تهم المواطنين ضاعت وسط صراع السياسيين على السلطة، وأن هناك من يسعى إلى الجلوس على الكراسي، وقال أيضا: “لم نر قوى سياسية تتحدث عن الانتخابات أو هموم المواطنين وحلّ مشاكلهم”.

  • * *
    في الخامس عشر من تشرين الأول (أكتوبر)، قام الجيش السوداني بالاستيلاء على السلطة، وقام بحل الحكومة الانتقالية بعد ساعات من اعتقال قواته رئيس الوزراء عبد الله حمدوك. ويأتي هذا الانقلاب الذي قوبل بإدانة شديدة من قبل الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومؤخرا المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، بعد أكثر من عامين من قيام المتظاهرين بالإطاحة بالرئيس عمر البشير، وقبل أسابيع فقط من موعد تسليم البرهان قيادة مجلس السيادة إلى أحد المدنيين. وردا على عملية الانقلاب، تدفق الآلاف من السودانيين إلى الشوارع للاحتجاج، وفتحت القوات الأمنية النار على بعضهم، وقُتل ثلاثة محتجين، بحسب لجنة أطباء السودان التي قالت أيضا أن 80 شخصا أصيبوا بجراح. ولم تقتصر حملات الاعتقال على رئيس الوزراء وعدد من الوزراء فقط، بل إنها امتدت لتشمل أيضا أعضاء من مجلس السيادة وقيادات حزبية وسياسية.
    يمثل الانقلاب العسكري انتهاكا صارخا للوثيقة الدستورية التي تم الاتفاق عليها في 5 تموز (يوليو) 2019 بعد الوساطة الأفريقية– الإثيوبية بين المجلس العسكري الانتقالي و”قوى إعلان الحرية والتغيير”. ومع ذلك، يرى قائد الانقلاب، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أنه يقوم بتصحيح المسار الديمقراطي في السودان، وأنه يحمل تفويضا ضمنيا لحماية مصالح الشعب والذي يقتضي أن يقوم بتشكيل حكومة شاملة تستوعب جميع فئات المجتمع السوداني كبديل لحكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، التي أصبحت حكومة أحزاب، حسب رأيه.
    مبررات البرهان
    أرجع البرهان أسباب الانقلاب إلى فشل حكومة حمدوك في تكوين مجلس تشريعي ثوري حقيقي، وإلغاء مجلس شركاء الفترة الانتقالية، وإعادة هيكلة القوات النظامية، وإصلاح القضاء، وتشكيل المحكمة الدستورية”. كما ادعى أن المطالب الثورية التي تهم المواطنين ضاعت وسط صراع السياسيين على السلطة، وأن هناك من يسعى إلى الجلوس على الكراسي، وقال أيضا: “لم نر قوى سياسية تتحدث عن الانتخابات أو هموم المواطنين وحل مشاكلهم”.
    بطبيعة الحال، لم يكن الانقلاب مفاجأة كاملة للشارع السوداني وعدد من السياسيين والمتابعين للشأن السياسي، الذين كانوا يتوقعون هذه الخطوة وينتظرون حدوثها. فقد كانت كل الأيام التي سبقت انقلاب البرهان على حكومة حمدوك وقوى الحرية والتغيير الحاضنة الرئيسية للحكومة مشتعلة، وعصفت التوترات بكل أقاليم السودان. في الغرب، لم يتحقق السلام المنشود، وما يزال إقليم دارفور يرزح تحت ثقل الأزمات الطائفية التي ما تلبث أن تشعل الإقليم بين الفينة والأخرى. أما شرق السودان، فليس أفضل حالا، فقد طالب عدد من قياداته بالانفصال عن السودان وتكوين حكومة البجة المستقلة، وكان التفاوض جاريا مع الحكومة للوصول لاتفاق، لكنه كان يصطدم أيضا بجدار مغلق. كل هذا بالإضافة إلى المشاكل في منطقة الفشقة الحدودية مع أثيوبيا.
    كما أصبحت الخرطوم ملتقى للحركات المسلحة إلى حين الانتهاء من الترتيبات الأمنية التي لم يتم التوصل إلى اتفاق واضح حولها. وتتواجد هذه القوات بأسلحتها داخل العاصمة، وصارت العاصمة قنبلة موقوتة قد تجعل البلد ينحدر إلى حرب أهلية في أقرب خلاف سياسي. وبالإضافة إلى ذلك، زاد تبادل الاتهامات بين السياسيين الوضع حدة. وعلى سبيل المثال، أعلن نائب رئيس مجلس السيادة، محمد حمدان دقلو، يوم 22 أيلول (سبتمبر) أن أحد أسباب الانقلاب “هم السياسيون الذين أهملوا خدمة المواطنين ومشاكلهم”. وفي نفس اليوم، صرح البرهان قائلا: “لم نر قوى سياسية تتحدث عن الانتخابات، وهناك من يسعى إلى الجلوس على الكراسي”. وبعد مرور يومين على تلك التصريحات، قام عضو مجلس السيادة، محمد الفكي سليمان (المعتقل حاليا) باتهام البرهان والمكون العسكري بمحاولة السيطرة على الأوضاع السياسية في البلاد. ومن الجدير بالذكر أن التاريخ السياسي السوداني مليء بانقلابات الجيش على الحكومات الانتقالية، ولا يوجد نموذج مطمئن ليؤكد صدق المؤسسة العسكرية السودانية.
    دوافع الانقلاب
    أصبحت عملية الانقلاب الآن واقعاً ترفضه القوى السياسية والمجتمع الدولي، وكان الفريق البرهان الذي قام بهذا الانقلاب منطلقا من عدد من المحركات، أولها قرب انتهاء فترة رئاسة مجلس السيادة. وحسب الوثيقة الدستورية، ستنتهي فترة الحكم في العام 2022، وبعد اتفاق السلام تمت إضافة 14 شهرا إضافيا لتصبح الفترة حتى العام 2024. ومن الجدير بالذكر أن تمديد الفترة الانتقالية أدى إلى تمديد فترة رئاسة مجلس السيادة تلقائيا لتصبح فترة حكم البرهان حتى شهر كانون الأول (ديسمبر)، وبموجب ذلك يجب نقلها إلى المكون المدني في مجلس السيادة.
    يتلخص العامل الثاني في مصالح الدول الإقليمية التي يهمها وجود المكون العسكري “الأقوى وغير الديمقراطي” في السلطة، والذي قد يكون مغذيا لهم ومساندا في الصراعات الإقليمية كما كان في حربي اليمن وليبيا وكما يتوقع منه في حال احتدام الوضع مع أثيوبيا. وبغض النظر عن الدعم الخارجي، فإن الاحتجاجات الواسعة التي انطلقت منذ انقلاب البرهان تشير إلى أنه يفتقر إلى الحاضنة السياسية الداخلية التي المطلوبة لدعم تحركاته.
    سيناريوهات محتملة
    في ظل هذا الوضع السياسي المتردي والغامض الذي يمثل تهديدا حقيقيا على الانتقال الديمقراطي في السودان، هناك سيناريوهات محتملة:
    أولا: قد تمضي مآلات الأوضاع الحالية إلى ما يسعى إليه البرهان ومجموعته بإقامة انتخابات كما يريدها، وهو سيناريو مشابه لسيناريو الانقلاب المصري في العام 2013، الذي مهد الطريق للسيطرة الحالية على البلاد. لكن هذا الاحتمال مستبعد بسبب رفض الشارع السوداني الانقلاب والرفض الأولى له من المجتمع الدولي. وعلى خلاف السيناريو المصري، قد تقوم الولايات المتحدة بفرض عقوبات تعيد البلاد إلى سنوات من المعاناة مع العقوبات الأميركية لنحو 17 عاما.
    ومن ناحية أخرى، قد يستغل حمدوك حالة الزخم الشعبي والغضب من تصرف البرهان لصالحه ويحول نفسه إلى قائد سياسي مستقل ويعود إلى الحكم بامتيازات أكبر وبقوة أكبر من الحرية والتغيير ومن المؤسسة العسكرية. وهذا احتمال ممكن، ولكنه غير مرجح في هذه الفترة المليئة بالتحديات الداخلية والخارجية. فالشارع السوداني، على الرغم من وقوفه مع حمدوك، ما يزال يحتاج إلى حكومة مستقرة لتجاوز الأزمة الاقتصادية، وقوية لينعم البلد بعلاقات إقليمية صحية مع شركائه الإقليميين.
    ثالثا: أن يرجع حمدوك إلى الحكم بالاتفاق مع البرهان، وهذا هو الاحتمال الأكبر، وهو أيضا ما ذكره البرهان في تصريح أدلى به مساء الخميس ونقله التلفزيون السوداني، حيث قال: “حمدوك هو أول المرشحين لمنصب رئيس الوزراء على الرغم من تحفظه”. وقد خسر البرهان الرهان الأول وخسر فرصة إقناع الشارع السوداني والمجتمع الدولي بنواياه. وليس من مصلحته أن يستمر في هذا الوضع الذي قد يحول السودان إلى ساحة حرب أهلية. وبالنسبة لحمدوك، ستكون عودته متحدا مع الجيش بطبيعة الحال عن طريق تقديم تنازلات، ولكنها ستكون مسوغة لإعطائه سلطات أقوى في المستقبل، حيث للعسكريين امتيازات كبيرة في السودان.
    فى ظل الامتيازات الاقتصادية والاستخباراتية والقوة التي يتمتع بها العسكريين دون السياسيين المدنيين، من المتوقع أن يستمر الجيش في ممارسة الضغوط للسيطرة على مقاليد الحكم في البلاد -حتى وإن تعارض ذلك مع رغبة الشارع السوداني. ومن غير المرجح أن يتخلى الجيش السلطة وأن يضع زمام مؤسساته تحت يد مكون مدني من دون وجود ضمانات. وفى واقع الأمر، سيستمر الجيش في فرض هيمنته على البلاد، ما لم يتحول السودان إلى نظام ديمقراطي قوي مبني على نظام اقتصادي متماسك.

*صحفية وباحثة في مجال العلاقات الدولية والأمن القومي.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock