آخر الأخبار حياتناحياتنا

بعد الصدمات.. أشخاص يتحلون بالعزيمة وآخرون يرفضون المواجهة

منى أبوحمور

عمان– العديد من المواجهات الصعبة والتحديات الكبيرة قد تعترض حياة المرء، تضعه على منعطفات تؤثر على مسار حياته وتغيرها في كثير من الأحيان.. فهناك من يمتلك الإرادة والعزيمة في مواجهة هذه التحديات، وآخر يقف مكتوف اليدين وتنقلب حياته رأسا على عقب.
حالات مختلفة تواجه هذه الصدمات، ومنها ما وقع مع الموظف الأربعيني بشار العلي؛ إذ لم يكن قرار فصله من عمله أمرا سهلا، فقد أصبح بين ليلة وضحاها بلا عمل، فلديه زوجة وأربعة أطفال، كما أنه المعيل الوحيد لوالديه، فاعتبر أن “الحياة سوداء” وشعر بأنه شخص مظلوم ومقهور.. يفتقد الإحساس بالأمان.
يقول العلي “أشعر بأن الجميع متآمر ضدي، فالبرغم من الشكاوى العديدة التي تقدمت بها لوزارة العمل، كانت بدون جدوى، بحجة قيام الشركة بإعادة الهيكلة”.
استطاع العلي أن يجعل من هذه المحنة بداية جديدة لحياة أفضل له ولأسرته، فخلق من الانكسار والانهزام نقاط قوة، وكان كتاب الفصل الذي تلقاه مؤخرا، ركيزة وخطوة أولى في تأسيس مشروعه الخاص، الذي تمكن من خلاله الوقوف مجددا على قدميه.
في حين لم تتمكن الثلاثينية رغدة بسام من الخروج من حالة الفقد التي تعيش بها منذ سنة بعد وفاة والدها، فشعرت بأن الزمن توقف عند تلك اللحظة، التي سلبت منها أهم شخص في حياتها، بحسب وصفها.
“لم يعد للحياة معنى أو حتى غاية بعد وفاة والدي.. فأنا خسرت سندي ومثلي الأعلى”، كلمات ترددها رغدة بين الحين والآخر؛ إذ اتجهت للوحدة والانفصال الاجتماعي عمن حولها، ووجدت نفسها تلوم القدر وكل من حولها على خسارة والدها، فلم تكن تعتقد أنها لن تحتمل وقع هذا اليوم، وأنه سيصبح سببا في انكسارها.
وكذلك حال رائد العلاونة، الذي تسببت مديونيته العالية بخسارة شركته ووقوعه في أزمة مادية؛ إذ فقد الكثير من الأموال وأصبح مطالبا بتسديد مبالغ مالية طائلة.
“خسرت جميع أموالي.. وفي الوقت ذاته لم أجد من يساندني”، بحسب العلاونة، فهناك شيكات مرتجعة، كمبيالات، وعقود موقعة واتفاقيات باتت حملا ثقيلا عليه، مرددا مقولة “لما يقع الجمل تكثر سكاكينه”.
مشاعر سلبية وحالة من الحقد والاحتقان الكبير تلازم العلاونة منذ تعرضه لتلك الأزمة، فقد كان معتادا على الرخاء والرفاهية، إلا أن التجربة كانت قاسية وفوق احتماله، كما يصفها.
وفي المضمار النفسي، يؤكد أخصائي علم النفس التربوي الدكتور موسى مطارنة، أن شخصية الإنسان وقدرته على التحمل والمواجهة لها أثر كبير على قدرته على التفاعل مع مواقف الانكسار، الهزيمة، الإحباط والفشل.
ويعود تعامل الشخصية مع المواقف الصعبة والقاسية، بحسب مطارنة، بناء على مركبات الشخصية من حيث الإيجابية والقوة والوعي والمعرفة؛ حيث تتداخل كلها في إعداد شخصية صلبة ومرنة، قادرة على التعامل مع المتغيرات التي تحدث مع الشخص في المستقبل بشكل إيجابي.
“بقدر ما يكون الشخص قادرا على التفاعل والمرونة، يتمكن من التغلب على الكبوة والانكسار ومواصلة الطريق”، فالشخصية لدى الإنسان تتكون في السنوات الثلاث الأولى من العمر، فإذا بنيت الشخصية في بيئة صحية وسليمة راعت الحاجات النمائية وكانت أساليب التربية جيدة وموحدة، مما يجعل الشخصية أكثر قوة ولديها دعامة، لا سيما في ظل وجود شخصيات نموذجية في حياة الطفل، وفق مطارنة.
ويضيف “أما الشخصية التي تنهار في المواقف الصعبة، فهي ضعيفة تعاني مشكلات مع ذاتها، وحالة من السوداوية وعدم الثقة بالنفس، تنكسر فورا وتلعب دور الضحية”.
ويلفت إلى وجود شخصيات تنشأ في بيئة حرمان تنكسر بسرعة، وهي قائمة على الندب واللوم، ودائما تبحث عن أسباب ومبررات لما يحدث معها تؤثر عليها المتغيرات، واصفا الانكسار بحد ذاته حالة غير طبيعية تصيب الإنسان، شبيهة بالصدمة وكل ما كان هناك مرونة في العودة تتمكن من الانتصار.
أخصائي علم الاجتماع الدكتور محمد الجرابيع، يؤكد، بدوره، أن التنشئة الاجتماعية هي المؤسسة الأولى المؤثرة في تكوين شخصية الإنسان، وهي ليست مسؤولية الأسرة فحسب، فقد دخلت في السنوات الأخيرة مؤسسات جديدة مثل الحضانة والروضة، وهي البديلة للأسرة في السنوات الست الأولى من عمر الطفل.
ويضيف “يعتقد الأهل أن هذه الأماكن لتعبئة وقت الطفل وحسب، متناسين أنها تلعب دورا في زراعة القيم والأخلاق والتربية وتحدد شخصية الفرد وتخلق المعارف والمهارات في التعامل مع كل الأحداث”.
“شخصية الإنسان تمر بمحطات فشل ونجاح.. والبعض تتغير كل حياته، إلا أن البعض ينكسر خلال هذه المحطات، ويعتبرها الأعظم في الحياة، وفي الغالب المشاعر والأحاسيس تنضج وتتبلور ومعظم الانكسارات تكون عاطفية دون سن 15 سواء في العلاقات العاطفية أو التوقعات، وتخلق للشخص عقدا نفسية لمدى الحياة، وهنا يكمن دور الشخص في فهم فلسفة الحياة.. بأنها نجاح وفشل، والفشل ليس النهاية”، وفق الأخصائي جريبيع.
ويضيف “اذا استطعنا أن نفهم أو نحلل لماذا فشلنا، وتعلم منهجية التفكير ومواجهة المواقف والتحليل، نتخطى الصدمات، فالحاضنة الأولى لا يوجد لها الوعي الكافي لفهم التنشئة، والتربية بالنسبة للكثيرين تكمن في تأمين كل شيء، بدون أن يعي الطفل لماذا وكيف حصل على الشيء، وفي هذه الحالة يمكن إعادة بناء الأجيال من جديد، لاسيما وأن المدرسة والحضانة والأسرة لم تعد تكمل أدوار بعضها”.
ويقول “ضاعت الأمور عند الأجيال، فالبيت يعلم والمدرسة تعلم والشارع يعلم، فالأطفال ينظرون للأهل والمعلمين أنهم القدوة، لذلك لا بد أن يكون هناك استراتيجية واحدة لعمل جميع المؤسسات مع بعضها بعضا”.
ويرى الأخصائي جريبيع، أن الطفل يستقبل مجموعة من القيم والأفكار بشكل مختلف، وهي حالة من الفوضى.. بل هي جزء من الفوضى العامة التي يعيشها المجتمع بشكل عام.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock