أفكار ومواقف

بعد كسر الحظر الشامل.. النجاح ممكن

ربما باستثناء مقاطعة ووهان الصينية؛ مهد انطلاق فيروس كورونا المستجد ولاحقا إيطاليا وإسبانيا اللتين فتك بهما الفيروس، فإن أي دولة أو مدينة في العالم لم تطبق حظر التجول الشامل ومنع الخروج من المنزل لكامل المواطنين سوى الأردن كاجتهاد حكومي مشكور لمنع انتشار العدوى وحصر الحالات المشتبه بإصابتها وعزلها ومخالطيها، وهي استراتيجية مشددة وطموحة اضطرت الحكومة لتخفيفها اعتبارا من يوم أمس بعد تقييم سلبياتها وإيجابياتها عمليا بعد نحو أسبوع من الالتزام بها.
أغلب دول العالم التي لجأت إلى إجراءات مشددة واحترازية لمنع العدوى اختارت حظر التجول الجزئي، في فترة المساء والليل في الغالب، لتمكين الناس من شراء حاجاتهم الأساسية من غذاء ودواء مع التشديد على منع الاختلاط والاجتماعات العامة، فيما كان خيارنا في الأردن الذهاب إلى الحالة الأكثر تشددا بالحظر الكامل، وهو نظام ثبت اليوم وبعد التجربة قصوره لضغطه على أعصاب الناس وإثارته القلق من عدم القدرة على تأمين الحاجات الأساسية للأسر وخلقه نوعا من الفوضى والتزاحم الشديد بفترة توزيع الخبز ومياه الشرب، ما وفر بيئة مناسبة لانتشار العدوى.
لك أن تنتقد قلة الوعي والثقافة العامة والغرائزية التي تظهر في مثل هذه الحالات والظروف، لكن هذا هو واقع البشر في كل الدنيا حتى وإن تفاوت ذلك نسبيا بين دولة وأخرى وفئة وأخرى، بل وفي لحظة معينة بأوقات الكوارث والحروب والخطر العام قد يفلت الزمام حتى من أيدي الأجهزة الحكومية والسلطات أمام اندفاع الناس لحماية أنفسهم أو تأمين حاجاتهم الأساسية. المشكلة مع هذا الوباء أن الحظر الشامل صعب حد الاستحالة، ففي الحروب والكوارث الطبيعية تكون هناك فترات رفع مؤقتة لتأمين حاجيات الناس بدون خوف من انتشار العدوى حتى لو حدث التزاحم وبعض الفوضى، لكن في حالة وباء كورونا فالخطر يأتي من الاختلاط والتزاحم والفوضى، وأي حظر شامل وطويل نسبيا سيتسبب بمثل هذه الفوضى عند رفعه مؤقتا، وطبعا لا يمكن إلا رفعه مؤقتا كل فترة لتأمين الناس بمتطلبات الحياة.
لذلك، أعتقد أن الحل الأنسب هو ما لجأت إليه الحكومة أمس من رفع غير معلن رسميا للحظر الشامل وإعادته لمربع الحظر الجزئي عبر فتح البقالات الصغيرة في الأحياء نهارا مع تسهيل عمليات تزويدها بالسلع والحاجات الأساسية للمواطنين، واتباعها كما هو مقرر بتوفير خدمة التوصيل من المولات والمحال الكبرى، وهي بذلك تحد من عمليات التزاحم والاختلاط الواسع، خاصة في ظل استمرار حظر التنقل بالمركبات.
أعتقد أن أغلب دول العالم لجأت بشكل ما لمثل هذا الحل لأنه الأكثر منطقية في إيصال الحاجات الأساسية للناس بالحد الأدنى من الاختلاط. وهي بلا شك تحتاج أيضا لمزيد من الخطوات التنظيمية والمعقولة لوصول الناس إلى الصرافات الآلية للبنوك للحصول على المال أو الراتب والوصول لبعض الفئات لتأمينها بالمعونات ومستحقاتها.
قد يكون المطلوب اليوم بعد اعتماد حظر التجول الجزئي وفتح الباب لعودة حركة الحياة نسبيا أن يتقدم المجتمع المدني والفاعليات الشعبية المختلفة وقدر الإمكان إلى تنظيم نفسها وإطلاق مبادرات محلية ووطنية على أكثر من جبهة؛ جبهة الحث على المزيد من الوعي والوقاية بين الناس وجبهة الجهود الأهلية لتنظيم حركة الناس بمختلف المناطق والأحياء كلما أمكن ذلك وأيضا، وهو الأهم، الالتفات للفئات المحرومة والهشة وتنظيم مساعدتها جماعيا، خاصة في هذه الظروف الصعبة وتوقف الأعمال وأشغال الكثيرين.
هي فترة صعبة وقد تمتد لأسابيع عدة وربما لأشهر من الحظر وتقليص الحركة العامة وربما أيضا تزايد حالات الإصابة بالمرض، لكن الشعوب الحية، ورغم كل الملاحظات على قصة الثقافة والوعي، قادرة على ارتقاء الأغلبية لحجم المسؤولية والتحدي على تجاوزها وعبورها بأقل الخسائر والمعاناة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock