ترجمات

بعد مرور عشرين عاما على الحرب تظل سراييفو على حالها

نديم غورسيل* – (ليبراسيون) 2012/03/31
ترجمة مدني قصري

العالم يتغير، ويزيد عدد السكان في المدن كلما زادت حدة الهجرة إليها من الريف، وصارت مدن القرن الماضي الكبرى تتوسع وتكبر أكثر فأكثر، إلا سراييفو التي لم تتغير، بل ظلت كما رأيتها عندما غادرتها قبل عشرين عاما.
في مدينة باسكارسييا، أمام مسجد القبة الخضراء، رفعت عيني نحو التلال المحيطة بالمدينة، وتذكرت الأيام التي كانت السوق فيها مغلقة، أو بالأحرى “عمياء خرساء” كما يقول ناظم حكمت في قصيدته. ففي أثناء الحرب لم تكن المدينة تقاتل ضد “التشيتنيك” وحدهم، لكن ضد الجوع أيضا. وبفضل المساعدات الإنسانية حاولت أن تصمد وتظل واقفة، وأن تحيا وتبقى. كان المطعم الوحيد الذي يمكن أن نجد فيه ما نأكله هو النادي الأميركي. كنا نتناول طعامنا فيه برفقة جنود من قوات الأمم المتحدة. وعندما وصلت إلى سراييفو قيل لي إن مالك النادي الأميركي قد صار ثريا بفضل الحرب، وإنه يتجول الان بسيارة مرسيدس، وقد فتح مطاعم جديدة ومرافق ترفيهية. ففي خلال الحرب فقد البعضُ ذراعا أو ساقا، بينما فقد البعض الآخر حياتهم. لكن البعض الآخر فقدوا شرفهم أيضا.
مررت بالقرب من المركز الثقافي الإيراني. هناك أيضا يوجد المركز الدولي الإسلامي، الواقع في الطابق السفلي للمركز الثقافي “أندريه مالرو”. لكنني لم ألحظ في حياة الناس اليومية أي بوادر للتعصب الإسلامي، أو التدين المفرط. هناك قلما نرى نساء محجبات، وقد صارت أصوات مكبرات الصوت المنادية للصلاة أكثر نعومة من أصوات المساجد التركية. وفي معظم المقاهي يستطيع الناس أن يحتسوا الكحول، الراقي أو البيرة وحدها. أما الفتيات فهن يتألقن أناقة وجاذبية.  فعندما وصلت إلى هناك أثناء الحرب، كانت المدينة ترزح تحت الحصار. لم تكن الحجارة هي التي تتساقط من السماء، ولكن القنابل. في تلك الأثناء كانت سراييفو مهددة بالموت، وكنت أنا أصغر سنا بعشرين عاما. أما الآن فأنا الذي أعيش في ظل هذا التهديد. أنا الذي يتقدم كل يوم خطوة نحو الموت. شعرت مساء أمس، وأنا أمشي في جميع أنحاء مدينة “ميلياسكا” تحت أشجار الدلب التي فقدت أوراقها منذ وقت طويل أن جسمي قد امتلأ قوة وحيوية. لقد مررت بمرقص “السيناتور” الذي كان خلال الحرب مفتوحا وصار اليوم مغلقا إلى ما لا نهاية. في أيام حصار سراييفو الذي كان طويلا وداميا، كان هذا المرقص يغض بالصبايا البوسنيات اللواتي يتنافسن جمالا وأناقة. فهناك، في مرقص “السيناتور”، بدأت في كتابة عملي الروائي الجديد “ذلك الشتاء في سراييفو”. وفيه كنت ألتقي بالكثير من الأصدقاء الذين لم أجد اليوم أثرا للكثير منهم بعد أن غيَبهم الموت منذ زمن طويل في تلك الحرب.
في الحدائق العامة المنتشرة في مدينة سراييفو ليس هناك مسلات مقابر وحسب، بل هناك تماثيل أيضا، ونصب تذكارية لكُتاب راحلين.هناك اكتشفت نصب “سيليموفيتشا” التذكاري الذي بدا تحت الضوء الخافت وكأنه قد أتى من بلد آخر، ربما من كوكب بعيد. ملامح وجهه لا تشبه ملامح الناس هنا. وقد سألتُ نفسي لم لم أكتشف هذا الرجل إلا بعد أيام الخراب، لقد مررت من هنا مرات عديدة؟! لقد حدث بالفعل أن مشيتُ هنا وحدي في الليل، وأحيانا برفقة المرأة الشابة التي تعرفت عليها  أثناء الحرب. قالت إنها كانت تحب شابا صربيا، وإنها عانت ألم الفراق، والموت. لقد قُتل عشيقُها في المعركة وهو يدافع عن البوسنة ضد شعبه الصربي. كان اسمه إن لم تخني ذاكرتي: “فوك”، وتعني”الذئب”. وقد روت لي تلك المرأة أن عشيقها، على عكس ما يوحي به هذا الاسم، كان لطيفا وديعا مثل الحمل، وغير قادر على إيذاء ذبابة. من يدري؟
أذكر نافورة، وظل برج الساعة التي تطير منها أسراب الحمام، وشجرة دُلب، ربما لم تكن شجرة دلب حقيقية، لكنها شجرة مهيبة يعود تاريخها إلى الفترة العثمانية، وأذكر  قبة متعفنة خضراء، وصمتا مهيبا كان يخيم في صحن المكان … ما تزال الشوارع –  الطرقات الضيقة مظلمة أثناء الليل، لكن قطارات الترام تسير فيها مثل السيارات تماما. إنها عودة الحياة إلى سراييفو. من يدري، فلعل الحرب لم تقم فيها قط، وأن الذي حدث محض كابوس داهمني في مدينة مسلمة، هي من بقايا عهد أجدادي العثمانيين، في وسط جبال أوروبا الخلابة.
الآن يجري ترميم وتجديد جميع المنازل في سراييفو، وقد صارت المدينة تضمّد جراحها. فعلى غرار جسر “موستار” يجري الآن إعادة بناء المدينة لبنة لبنة. وأمام هذا المشهد تراودني أبيات من إحدى قصائد “سيفيريس”، الشاعر اليوناني العظيم القادم من الأناضول، يقول فيها: “لست أعرف الشيء الكثير عن ديارها/ لكنني حين أقف بها من حين إلى حين أذكر أفراحها وأحزانها!”.

*كاتب وباحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي 
صدر هذا المقال تحت عنوان: Vingt ans après la guerre, seule Sarajevo n’a pas changé

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock