أفكار ومواقف

بعيدا عن السياسة

في ذكاء الشعوب وقدرة ثقافتها ما يمكنها من الهروب من التعبير المباشر عندما يكون مكلفا، او عندما تضيق هوامش الدول او الافراد عن استقبال النقد والرأي الاخر. لكن هذا الذكاء يفقد مفعوله، احيانا، عندما يوجد في اي بقعة من العالم، وفي اي زمن من الازمان، من يحاسب على النوايا، ويفترض كل ما يقال معارضة ومحاولة انقلاب!


ومن قصص التراث في هذا السياق، ما يروى عن اهل بلدة ارسل الخليفة اليهم والياً مشهودا له بالقسوة وسوء الادارة والبطش. وفي ذات العام الذي اصبح فيه هذا الشخص واليا على تلك المنطقة، ارسل الله المطر كثيفا غزيرا متواصلا، فكان عام خير، وموسم انتاج لتلك المنطقة من ارض الخلافة، ففرح الوالي بهذا، واعتبر حضوره بشرى خير للمنطقة. لكن ذكاء احد الوجهاء افسد على الوالي هذا الاعتقاد الخاطئ، إذ قال له: “ان الله تعالى اكرم من ان يجمع علينا وجودك والقحط وقلة الماء، فأشفق علينا بعام خير وموسم اخضر”.


وفي كل مرحلة من مراحل التاريخ تلجأ الشعوب الى ادوات مغرقة في السياسة، لكنها بعيدة عنها للتعبير عن مواقفها، ومن ذلك “النكتة”، التي كتب بعض اهل الاختصاص الكثير في تفاصيلها ودلالاتها. والنكتة، سواء كانت رمزية ام تعليقا على حدث، هي مقياس لتوجهات الناس وقناعاتهم.


وفي الاردن، هناك مزاج ساخر في بعض جوانب المجتمع في الريف والبادية والمدن؛ مزاج تختلط فيه روح النكتة وخفة الظل مع الجرأة والنقد اللاذع. وهذه الزوايا من المجتمع تستعمل هذا الاسلوب في مناقشة كل القضايا، حتى ما تعتقد بعض نخب عمان انها لا تخرج من كواليسهم.


ومن اروع الجلسات واكثرها فائدة تلك التي قد تجمع احدنا مع مجموعة من كبار السن في احدى القرى، لتسمع الرأي والنكتة والنقد ووجهة النظر في كل القضايا، ومن اشخاص ليس لهم اطماع في مواقع او ألقاب، وينتظر بعضهم راتبا تقاعديا او موسما زراعيا واذان المسجد للذهاب الى الصلاة المكتوبة.


[email protected]

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock