رأي في حياتنا

“بقولَّك”!

ينبغي أن أخبركم شيئاً عن أمِّي البسيطة كـ “طُلق مرَميَّة”. تقضي الفلاحة في المدينة الجزء الأول من النهار وحيدة، وبعد تناول فطورها البلديِّ، تقرأ عناوينَ الصحيفة، وشيئاً بسيطاً من المتن حسب التقاط العدسات الغليظة لنظارة أبي المرحوم، ثمَ تفتحُ التلفزيون وتوجِّهه بعشوائية دقيقة، لتستقرَّ بعد ساعتين من الاستطلاع، على محطة تبث “القرآن الكريم”، توقفه هنا، تصفنُ، تصفنُ كثيراً، تصلِّي الظهرَ، وتعدُّ الغداء حسبَ مزاج أشدِّ أبنائها دلالاً، وتنتظرُ إيابَنا، غائباً، غائباً.
أمِّي أيضاً ليست “بسيطة” كما يبدو، كثيراً ما أشعر أنَّ لديها دهاء الفلاحين، يخرجُ في أوقاته الضرورية، ولأنَّ لبَيْتنا أسراره التي لستُ مخوَّلاً لإفشائها، سأكتفي بكشف ما يهمُّكم: تستمعُ أمِّي إلى نشرة الأخبار كاملة حتى خاتمتها السريعة المتعلقة بمظاهرة عمالية عادلة في كولومبيا، وتصغي لطرفي التحليل السياسيِّ المختلفين على “فتح” و”حماس”، و”قطر” و”السعودية” و”مرسي” و”السيسي”، تعطي ثقتها المطلقة للطبيب المناوب على فضائية “العربية”، ولأخصائي الطبِّ النفسي على المحطة المغمورة. تصفنُ، تصفنُ كثيراً، لتعدَّ مدخلاً واحداً للحديث تكونُ نقطته المركزية كلمة هي أعرق من تاريخ الفلاحة: “بقولك”!
وعندما أعودُ إليها من غياب، وأكونُ أخفَّ من حقيقة بعد كذبةٍ شائعةٍ، تنتهزُ أمِّي لحظة انكسار اليقين لديّ، وأثناء إعدادها الطعامَ الذي يجعلني أوهن من الشكِّ، تبدأ حديثاً ملغزاً، يعتمد عادة على نباهتي التي أحسنُ إخفاءها كما تتخفَّى المعلومة الصحيحة في الحرب، فإنْ أيقنتْ أنَّني أزاوجُ بين “الهبل” و”الشيطنة”، “آيست” واتجهت لأن تقول كلاماً صريحاً لتبديل قناعاتي الراكبة في دماغي بدقة وإعجاز محرِّك السيارة، وعندما تعجز عن فكِّ قناعة واحدة، تستعين بكلمة “بقولك”، والقائلُ هنا دائماً “مبني للمجهول”، و”ضمير مستتر” لكنَّه موثوقٌ لديها، وعليم، ولا يأتيه الباطل، وكثيراً ما تنسبُ إليه ما لم يقله تماماً!
كنتُ على إيمان أيديولوجي تناوب على تعميقه أعضاء المكتب السياسيِّ للحزب ذي الراية الحمراء، وقناعات غريبَة روَّجها شعراء الشِّعر الحرِّ، ومخرجو مسرح العبث، والسينما التي لا تمتُّ للواقع بصلة، وأكونُ دائماً في مسار معاكسٍ أو في المسرب غير النافذ، وغالباً أنا أحد طرفين عابثين في الحبِّ يحملان طرفَ السلَّم بالعرض، ويمكنُ تعريفي بـ الشخص “الخالف تُعرفْ”، وأمِّي تعرف ذلك جيِّداً، بل إنها كثيراً ما تلوم “محمد طمليه” و”محمود درويش” و”أحمد زكي” في فيلم “امرأة واحدة لا تكفي”، وفتاة أخبَرَتْني في أوَّل العشرين أنَّ الزواج “أبغض الحلال”، وتحمِّلهم مسؤولية غير منقوصةٍ عن إفسادي و”ضياع الولد” الساذج الذي كنته قبل انتشار خدمة “الوايرلس”!
لكنِّي أخسرُ الحوارَ معها بعد كلِّ غيابٍ، عندما تستعينُ بكلمتها “بقولك” ثمَّ تتبعها بحرف إنَّ الناسخ، ملتصقاً بضمير مهيبٍ غائبٍ دائماً، فـ “بقولَّك إنه” الشياطين تزور النائم بعد “الضحى”، وعشبة النعناع في الشايِّ الفاتح تُغْني عن زيارة مضطربة للصيدلية المناوبة، والزواج الطريقُ “الشرعيُّ والوحيد” لكسب الحسنات و”إعادة إعمار” الكون، واليساريُّ مهما انحرفَ إ لى اليسار فإنه يتوبُ في الخمسين ويصبح من أهل “أقصى اليمين”، أكادُ أصدِّقُ أنَّ مرسي “منتخب” والسيسي مجرَّد “فريق”، وحماس” في حُكْم “حركة مقاومة”، والشاعرات الحداثيات هنَّ الصنف الحادي عشر من النساء الملعونات!   
خسرتُ وما صدَّقتها، هي التي في قلبها سرُّ “اللوف”، كنتُ سأفعل ذلك لو أنّها لم تستعن بوسيط، وأنها اكتفت بكلامها الأبسط من نموِّ “الخبِّيزة” على جانب الطريق. صحيحٌ أنني أضعتُ إيماني منذ زمن أخضر في الراية الحمراء، ولم أعد ملزماً تماماً بوصايا “محمود درويش”، وما عدتُ واثقاً إنْ كانَ الصوابُ في أخطاء “طمليه”، لكنَّني لستُ على ثقة أبداً بـ “ضمير مجهول” غالباً، و”غائب” دائماً، حتى لو صدَّقته أمِّي التي طيَّبٌ ذكرها كالتين.

تعليق واحد

  1. ديكتاتورية
    هذه الديكتاتورية التي تربينا عليها ولا اظن ان وصايا محمود درويش واخطاء محمد طملية اقل ديكتاتورية لا نختار حياتنا وليس لدينا اي فرصة للاختيار.

  2. امي اصدق
    امي كانت اصدق و انبل سياسي على وجه اﻷرض… قادتنا من صغرنا بكافة اطيافنا واشعرت كل منا انه الوحيد المدلل …

  3. دهاء جميل
    رائعه جدا خاصة تحليلك لكلمة بقولك واعرابها بدهاء نحوي وكشف الستار عن ذاك المجهول الذي يختبأ خلف كلمة (بقولك ) وتصديق اﻻمهات لكﻻمه وكأنه نبي منزل …متألق كالعاده استاذ نادر .

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock