ترجمات

بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عطشى

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 24/7/2021

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في حي في الجزائر العاصمة حيث يوجد القصر الرئاسي والسفارات الأجنبية، يعتقد البعض أن ضغط ضخ المياه قد ارتفع مؤخرًا. ولكن، لا تخبروا أولئك الذين يعيشون في الضواحي الأخرى للعاصمة الجزائرية، حيث جفت صنابير المياه منذ أيام، بينما ترتفع درجات الحرارة وحدة المزاج معاً. فقد أغلق المتظاهرون الطرق الرئيسية والسكك الحديدية. ويقول صحفي محلي، معبّراً عما يجول في عقول المتظاهرين: “إذا توقف الماء عن التدفق، فكذلك يفعل كل شيء آخر”.
والجزائر ليست وحدها في هذا. في الأشهر القليلة الماضية، اندلعت احتجاجات على نقص المياه في إيران، والعراق، والسودان واليمن. وقُتل اثنان من المتظاهرين بالرصاص في إيران يوم 16 تموز (يوليو). ويسهم نقص المياه في اندلاع الاضطرابات في مناطق أخرى من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
كان الجفاف سمة بارزة من سمات المنطقة منذ العصور التوراتية. لكن تغير المناخ يتسبب الآن في زيادة طول مواسم الجفاف، فضلاً عن تعاقب الموجات الحارة التي تزداد سخونة وارتفاع درجات الحرارة بمستويات قياسية. ومن المتوقع أن ينخفض معدل هطول الأمطار، بشكل سريع في بعض الأماكن، ما يترك المزارعين أمام خيار حفر المزيد من الآبار، وتجفيف طبقات المياه الجوفية والتسبب في أضرار بيئية لا رجعة فيها. وبالنسبة لمعظم المنطقة، تتجه الأمور نحو مستقبل أكثر جفافاً، وسخونة، وبؤساً.
بعض الحكومات تتعامل الآن مع المشكلة. وتعتمد إسرائيل ودول الخليج على محطات تحلية المياه، التي يمكن أن تعمل بالطاقة الشمسية وتنتج مترًا مكعبًا من المياه العذبة (ما يكفي لتعبئة ثلاثة آلاف زجاجة مياه صغيرة) بكلفة تقل عن 50 سنتًا. لكن العديد من الحكومات تجعل الأمور أسوأ. ويلقي المتظاهرون باللوم في الكثير من البؤس الحالي على سوء الإدارة والفساد. ويقول حسن الجنابي، وهو وزير سابق للمياه في العراق: “قطاع المياه يتفكك. وسوف يحدث انفجار”.
تستهلك الزراعة الحصة العظمى من المياه العذبة المأخوذة من مصادر المياه الجوفية أو السطحية على مستوى العالم (حوالي 70 في المائة)، بحسب البنك الدولي. والنسبة أعلى من ذلك في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (حوالي 80 في المائة). وتعتمد المحاصيل بشكل كامل على الري في المنطقة القاحلة، ويقول المسؤولون إن دعم الزراعة يوقف الهجرة من الريف ويقلل من الحاجة إلى استخدام العملة الصعبة لدفع أثمان واردات الغذاء. وعلى سبيل المثال، تسمح مصر لمزارعيها بأخذ المياه من نهر النيل مقابل تكلفة ضخها فقط ومن دون أي زيادة.
لكن هذه الإعانات لطالما شجعت المزارعين في المنطقة على إهدار المياه على نطاق كبير. ومع ذلك، يحب القادة استخدام المياه الرخيصة كوسيلة لشراء الدعم أو تعزيز مصالحهم الخاصة، مثل استخدامه لتهدئة المزارعين المنتمين إلى تجمعات تتمتع بروابط قوية. وفي إيران، قام الحرس الثوري الإسلامي بتغيير مسار نهر لتبريد مصانعه للصلب في أصفهان. ويقال إن الرئيس السابق، أكبر هاشمي رفسنجاني، قد بنى سدًا لري محصوله من الفستق الحلبي.
اندلعت الاحتجاجات في إيران في خوزستان، موطن معظم العرب في البلاد. وكان جزء كبير من المياه العذبة الإيرانية يتدفق عبر المحافظة. ويتذكر الأشخاص الذي عاشوا الأوقات القديمة عندما كانت السفن المتجهة إلى أميركا تبحر فوق نهر قارون. لكن عشرات السدود تسببت في تجفيف أنهار ومستنقعات خوزستان. ويتهم السكان الغاضبون النظام الديني بتحويل المياه إلى المدن الفارسية والسعي إلى إبعاد العرب عن الأرض من أجل التنقيب عن المزيد من النفط فيها. وقد هتف المتظاهرون في الاحتجاجات: “لا للهجرة القسرية”.
غالبًا ما يلقي الناس في الجزائر باللوم على الفساد باعتباره المتسبب في مشاكل المياه التي يعانون منها. وقد أنفقت الحكومة أكثر من 50 مليار دولار على مشاريع المياه على مدى العقدين الماضيين، لكن الكثير منها تبخر. وحُكم على وزير سابق للموارد المائية بالسجن بتهمة سرقة أموال، وفي الأسابيع الأخيرة تم اعتقال اثنين آخرين. وهناك عشرة من أصل 11 محطة تحلية مياه قامت ببنائها شركة تابعة للدولة في حالة سيئة. والقصة مشابهة إلى حد كبير في العراق، حيث تأخر بناء محطة كبيرة لتحلية المياه لسنوات بينما تتشاجر الفصائل الحاكمة في البلاد حول من هو الذي سيحصل على العقد.
جعلت الحرب من الصعب على بعض البلدان الحفاظ على البنية التحتية للمياه. ويُستخدم الماء أحيانًا كسلاح. وقد حاول متشددو “داعش” سد نهر الفرات من أجل تجويع خصومهم في العراق. وتوقف المتمردون المدعومون من تركيا في شمال سورية عن تشغيل محطة مياه تزود سلة غذاء خصومهم الأكراد. وقدر تقرير صادر عن جامعة صنعاء أن 70 في المائة من المناوشات الريفية في اليمن، قبل الحرب الأهلية، بدأت كنزاعات على المياه.
يمكن أن يصبح الماء السبب الرئيسي للنزاعات المستقبلية. والآن، تتنازع مصر والسودان مع إثيوبيا بسبب ملء الأخيرة سدًا عملاقًا على نهر النيل. ويقول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بلهجة تهديد: “كل الخيارات مفتوحة”. كما تقوم تركيا وإيران ببناء سدود من شأنها أن تستنزف المياه المتدفقة إلى الدول العربية. ويضمن الحصار الإسرائيلي لغزة أن لا تكون لدى القطاع الوسائل اللازمة لإنتاج كمية كافية من المياه الصالحة للشرب لسكانه.
لكن ثمة مراقبين آخرين يبدون أكثر تفاؤلاً. ويقول عيران فيتلسون من الجامعة العبرية في إسرائيل إن تكلفة تحلية المياه أرخص من تكلفة الاقتتال عليها. ومع ذلك، قد تكون للاضطرابات المتعلقة بالمياه عواقب عالمية. وعلى سبيل المثال، يهجر اليمنيون بالفعل القرى الجافة العطشى. ومن دون مشاركة وإدارة واستثمار أفضل، يتعرض الملايين من سكان المنطقة لخطر أن يصبحوا لاجئي مناخ.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: The countries of the Middle East and north Africa are parched parched

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock