فكر وأديان

“بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين”

د. محمد المجالي

تتميز سورة آل عمران بحديثها عن نوعين من الجهاد، جهاد باللسان، حيث محاجة بني إسرائيل عموما، ونصارى نجران خصوصا، وجهاد بالسنان، حيث الحديث عن غزوة أحد، شغل الموضوع الأول نحو خمس وثمانين آية، من أول السورة، وشغل الموضوع الثاني نحو ستين آية: من الآية المائة وإحدى وعشرين إلى الآية مائة وثمانين، كما نص على ذلك كثير من المفسرين. وسورة آل عمران من أوائل السور التي نزلت في المدينة، وقدوم وفد نجران كان مرتين، في بداية العهد المدني، حيث هذه الآيات التي تتحدث عن حوارهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومرة أخرى في آخر العهد النبوي، في عام الوفود.
واسم السورة واضح في الدلالة على الموضوع الرئيس فيها، وقصة خلق مريم وابنها من بعدها، ومعجزة هذا الخلق من دون أب، ليكون آية من آيات الله تعالى، وقد ذكر الله تعالى في أكثر من موضع في القرآن بشارة كل نبي بمن بعده، وأن أوصاف النبي محمد صلى الله عليه وسلم مذكورة في التوراة والإنجيل، هو وأصحابه رضوان الله عليهم، ولعل من أهم ما جاء في سياق آيات آل عمران ذلك الحوار الهادئ بين النبي محمد صلى الله عليه وسلم ونصارى نجران، ويعم هذا الحوار أهل الكتاب جميعا: “قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون”.
يقرر القرآن حقيقة أن لا إكراه في الدين، فقد تبين الرشد من الغي، والإنسان مخلوق عاجز، ولا ينبغي أن يكون مولى من دون الله ولا إلها يُعبَد من دونه، ولا ينبغي أن يكون تشويه الدين وحسد الناس على ما يؤمنون به، والحسد (وهو من طبائع اليهود تحديدا) دليل على معرفتهم الحق وزوغانهم عن اتباعه لأغراض نفسية، ويمكنني تعميم ذلك على ما نراه من ظاهرة الإسلاموفوبيا الحالية في العالم، إذ يرون انتشار الإسلام وإقبال الناس عليه في العالم كله، فلا بد من وضع حد له وتشويهه بأي شكل من الأشكال.
ولعل أولئك قد فعلوا شيئا من محاولة التشويه للإسلام زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فقص الله علينا فعلتهم: “يا أهل الكتاب لِمَ تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون، وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أُنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون، ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم أو يحاجّوكم عند ربكم، قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم، يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم”، وباختصار فهي محاولات التشويه من جهة، والتقوقع على النفس وعدم السماح لها بالحوار من جهة أخرى.
ثم تتحدث الآيات بإنصاف عن أهل الكتاب فهم ليسوا سواء، (وبالمناسبة فسورة آل عمران أكثر سورة بينت أصنافا من أهل الكتاب آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم)، فقال سبحانه: “ومن أهل الكتاب مَن إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما، ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون”، ومعظم المفسرين على أن المقصود بهم هنا اليهود، فصنف منهم أمين وصنف خائن لا يؤدي عهده وأمانته بحجة أمّية القوم، اللهم إلا إذا بقي صاحب الحق يطلب حقه، ولا أدري هل تعاملهم الآن بشأن الأرض التي اغتصبوها ويقنعون أنفسهم بأنها أرضهم، وربما عدّوا العرب أمة جاهلة كما قالوا في الماضي بأنهم أمّيّون، وهذا الاستخفاف بالآخرين والتكبر عليهم ديدن فيهم، وهم يعلمون في قرارة أنفسهم بطلان حقهم ومقصدهم.
هنا يأتي قول الله تعالى: “بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين”، يقول ابن كثير: “أي: لكن من أوفى بعهده منكم يا أهل الكتاب الذي عاهدكم الله عليه، من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا بُعِث، كما أخذ العهد والميثاق على الأنبياء وأممهم بذلك، واتقى محارم الله تعالى واتبع طاعته وشريعته التي بعث بها خاتم رسله وسيد البشر، فإن الله يحب المتقين”، ومن المفسرين من فسرها بأداء الحقوق لأصحابها، وكل ذلك ممكن، ما كان أمانة مادية أو أمانة معنوية هي الإيمان بالرسول الأخير، صلى الله عليه وسلم.
ويمكننا تعميم الآية حين ركزت على أمرين رئيسين، الوفاء بالعهد واتقاء ما يضر الإنسان، خاصة المعاصي التي تجلب الضر للإنسان نفسه، وتجلب غضب الله تعالى، حينها يكون قد سلك سبيل المتقين المراعين لحقوق الله تعالى، فهم المتقون، والله يحب المتقين، ويا له من حب يبدأه الله تعالى.
الوفاء بالعهد خُلُق عظيم، يندرج تحته أداء الأمانات، ويشمل الإيمان بالله وحده خالقا ومدبرا، ومستحقا للعبادة والقصد وحده سبحانه، وهنا قد يملك الإنسان هذا الشق من المعادلة، ولكن لا بد من الشق الآخر، حيث يتقي كل ما يغضب وجه الله، وإن حصل فيسارع إلى التوبة والاستغفار والإنابة، فكلنا خطاؤون، ولا يسمح أحدنا لنفسه أن يستمر في الغي، بل يخضع لمراقبة الله تعالى، وحينها يكون من المتقين ومن المحسنين.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock