فكر وأديان

“بل مكر الليل والنهار”

د. محمد المجالي

في سورة سبأ حوار نادر في أسلوبه حول العتاب بين الأتباع والمتبوعين من الضالين والكافرين، ورد قريب منه في أكثر من سورة، ولكن الذي يميز هذا الموضع بالذات ذكر شيء من أحوال من الاستضعاف والاستكبار، وأساليب المستكبرين في إغواء المستضعفين، وغاية المستكبرين البعيدة، ومصير الجميع يوم القيامة، حين لا يكون عذر لهؤلاء وأولئك، فالكل أجرم في حق الله تعالى.
وقبل الخوض في الموضوع أقول إن سورة سبأ هي إحدى خمس سور افتتحت بالحمد، هي والفاتحة والأنعام والكهف وفاطر، وجاءت هي وفاطر متتابعتين، ودلالة اسم السورة واضح، إذ قص الله علينا قصة قوم سبأ، وافتتحت السورة بذكر بعض آيات قدرة الله تعالى، والمصير المحتوم يوم القيامة، حيث وعد الله للمؤمنين ووعيده للكافرين، وعرضت شيئا من استهزاء الكافرين بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم واتهامهم له بالكذب والجنون، فيما يخبرهم به من البعث بعد الموت، ثم ذكرت قصة داود وسليمان عليهما السلام باختصار، ثم قصة سبأ، وما من الله عليهم به من جنات، وأنه تعالى عاقبهم بكفرهم، فأرسل عليهم سيل العرم، وانقلبت النعمة نقمة. وركز السياق على الرزق، وأنه في النهاية من الله تعالى، أما الشركاء فلا يملكون من أمرهم شيئا، ثم تأتي آيات العتاب هذه موضوع المقال، وبعدها تركيز على مظاهر الحياة الدنيا، وما ينشغل الإنسان به حيث الرزق والمال والولد، فالله هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء، سبحانه.
ركزت سورة سبأ إذاً على القيم الحقيقية لا مظاهر الحياة الدنيا، ولعل الاقتصار على قصتي داود وسليمان كونهما نبيين ملكين، ولا شك أن الملك بحد ذاته أحد مظاهر الدنيا، ومع ذلك، فالأصل هو صلة العبد بربه، فلا الملك ولا الجاه والولد والمال يرفع الإنسان عند الله، بل العمل الصالح، ومن أراد دوام نعمة فليكن من الشاكرين، ولذلك جاء في هذه السورة تحديدا: “اعملوا آل داود شكرا، وقليل من عبادي الشكور”، ولا بد من التنبيه على أن الشكر فعل وعمل، لا مجرد قول، وكل نعمة لها شكرها، فشكر العلم تبليغه، والمال إنفاقه، والقوة طاعة الله وعبادته، والجاه للإصلاح بين الناس، وهكذا.
وجاء في آخر السورة ما يدعو المكذبين الذين ألغوا عقولهم واتبعوا حديث كل ناعق، فعاشوا في غوغائية وضلال هائمين مكبّين على وجوههم، فقال الله لمشركي قريش الذين اتهموا محمدا صلى الله عليه وسلم بالجنون: “قل إنما أعظكم بواحدة، أن تقوموا لله مثنى وفرادى، ثم تتفكروا: ما بصاحبكم من جِنّة، إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد”، تفكروا ولو مرة، مثنى مثنى، أو فرادى، بعيدا عن أجواء الغوغائية والتبعية العمياء، هل فعلا محمد مجنون؟!
وفي أجواء السورة هذه، حيث القيم الحقيقية، وضرورة استخدام الإنسان عقله، وتفكيره في أموره، بما فيها النعمة والرزق الذي قد يُسلَب من الإنسان، كان حوار صريح بين أتباعٍ مستضعفين، ومتبوعين مستكبرين، أما المستكبرون فحالهم وعقابهم معروفان، أما المستضعفون، فلا يظنون أن استضعافهم وتبعيتهم تنجيهم من غضب الله وعذابه، فلا بد من تحمل المسؤولية، يقول تعالى عنهم: “وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه، ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم، يرجع بعضهم إلى بعض القول، يقول الذين استُضعفوا للذين استكبروا: لولا أنتم لكنا مؤمنين. قال الذين استكبروا للذين استضعفوا: أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم؟ بل كنتم مجرمين. وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا، وأسروا الندامة لما رأوا العذاب، وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا، هل يُجزون إلا ما كانوا يعملون”.
يا له من نص عظيم، أعلن فيه الكافرون كفرهم بالقرآن والشرائع، ونسوا الموقف في الآخرة، نتخذ في الدنيا مواقف ارتجالية لا نحسب حسابها الحقيقي يوم القيامة والندامة، ولذلك ينتقل السياق مباشرة ليصور حال الآخرة، حين يقف الظالمون بين يدي الله، يتلاومون على الحال الماضي، من هو سبب ما هم فيه الآن من حرج، فيضع المستضعفون السبب على المستكبرين، فلولاكم لكنا مؤمنين، هنا يرد عليهم المستكبرون بأن إجرامكم هو الذي أوصلكم إلى هذا الحال، حيث اتبعتمونا ولم تُعْملوا عقولكم، فعاد المستضعفون وردوا على المستكبرين بل هو مكر الليل والنهار الذي أشغلتمونا به، حين أمرتمونا أن نكفر بالله تعالى، ونجعل له أندادا يساوونه في العبادة والطاعة والانقياد، حينها، يعلمون ما أوصلهم إليه اتباعهم الأعمى، فأسروا الندامة في أنفسهم لما رأوا العذاب المحتوم، حيث جيء بالأغلال لتوضع في أعناقهم، والسنة الباقية هي أن كل إنسان يؤخذ بجريرة عمله، فلا يُجزى إلا بما عمل.
هو مكر الليل والنهار حين يجتمع الضالون والمتآمرون عموما، هدفهم إضلال الناس عن أي شيء صالح، فليس بالضرورة أن يكون الكفر، بل تجييش الناس وتوجيههم التوجيه الخطأ، وتزيين الباطل في نفوسهم، فهي دعوة صريحة ألا ننخدع بمظاهر الأشياء، كائنا ما تكون، فلنا عقول خلقها الله عز وجل لنفكر بها، هل هذا الذي يدعونني إليه صحيح أم لا؟ وهل طاعتي لفلان في هذا الأمر صحيحة أم لا؟ ويفكر في مآلات الأمور الآنية، ومآلاتها الأخروية، حين يقف بين يدي الله تعالى، ولا ينفعه كل من وقف معه في الدنيا، فسيخذلونه كما نطقت بذلك الآيات.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock