اقتصادتحليل إقتصادي

بناء رأس المال البشري وحمايته

واشنطن-الغد- لا نجني كثيرا بدون مخاطرة، هذا خلاصة ما قالته شخصيات بارزة مثل جون كينيدي، ويو يو ما، وباولو كويلو، وريانا. وهذا القول المأثور في الحياة ينطبق على الأسواق حقًا؛ إذ كيف يمكن للسياسات أن تساعد الناس -لا سيما الذين يعيشون في فقر أو المعرضين للفقر والذين يمكن القول إنهم يمكن أن يخسروا الكثير- على المخاطرة وجني المزيد من الثمار؟ وطالما يوجد مجتمع، فإن تقاسم المخاطر بند أساسي في العقد الاجتماعي. وأيا كان الأمر، في الفترة الحالية من التغيير السريع والأساسي، ما تزال هذه المسألة تتطلب اهتماما من جانب واضعي السياسات.
وإذا كان رأس المال البشري هو أهم الأصول التي يستثمر فيها الناس، فإن سوق العمل هو المكان الذي يمارس فيه الناس المخاطر سعيا للحصول على عائد من هذا الاستثمار. وفي أسواق العمل يتعرض الكثير من الناس للصدمات والخسائر. وعلى غرار جميع الأسواق، يعاني سوق العمل من عيوب وإخفاقات من شأنها حفز الإجراءات التي تتخذها الحكومات لتحسين تطلعات الناس من خلال مساعدتهم على إدارة المخاطر وعدم اليقين واغتنام الفرص. وتختلف إجراءات السياسات هذه اختلافا كبيرا بين البلدان في الشكل وفيما يصاحبها من إجراءات عند تعميمها.
لكن أهداف معظم الحكومات متشابهة؛ ضمان أن سوق العمل آمن وعادل، ومكان يتم فيه جني الثمار من خلال توظيف مهارات الناس وإقامة المشاريع وأنشطة الأعمال وأخذ زمام المخاطرة. ويعد تحقيق أهداف سياسات تقاسم المخاطر أمرا بالغ الأهمية، وذلك حتى تتوافر أفضل فرص النجاح للداخلين الجدد إلى سوق العمل الذين أنهوا دراساتهم وتخرجوا حديثا أو الذين لم يكن لديهم أي خبرة في السوق.
وأطلق اليوم قطاع الممارسات العالمية للحماية الاجتماعية والوظائف في البنك الدولي وثيقة بيضاء بعنوان “حماية الجميع: تقاسم المخاطر من أجل التنوع في عالم العمل”. وتتناول هذه الوثيقة كيفية الشعور بالعوامل المحركة للاضطرابات، مثل التقدم السريع في التكنولوجيا وأنماط التجارة المتغيرة، في أسواق العمل في البلدان المرتفعة والمتوسطة والمنخفضة الدخل، كما أنها تشير إلى أن التغير الاجتماعي والديموغرافي والمناخي يغير أيضا طبيعة العمل.
وينخرط عدد أكبر من النساء في أعمال السوق أكثر من أي وقت مضى، مما يوسع نطاق التوقعات والتفضيلات المتعلقة بكيفية القيام بالعمل وماذا يعني الرخاء. وفي البلدان التي تدير شريحة كبيرة من السكان الشباب، هناك ثروة من الشباب المتعلمين على نحو جيد الذين يتجمعون في المدن ويتنافسون على نيل الوظائف وفرص العمل، ويسعون إلى تحقيق أهداف وطموحات جديدة في الاتجاهات التي يريدون اتباعها في مسارات حياتهم المهنية.
وفي البلدان التي تعاني من الشيخوخة السكانية، برزت حتمية سياسية واضحة في السياسات للحفاظ على مشاركة الناس على نحو منتج لفترات أطول من حياتهم، ويتوقع جيل جديد من المسنين النشطين المزيد من الخيارات والمرونة عند تقرير كيفية استخدام وقتهم. ويهدد التغير المناخي العالمي بإجبار الناس، أو أجبرهم بالفعل، على النزوح بحثا عن لقمة العيش، وهو ما يمثل تحديا لسلامة العديد من الصناعات وأشكال العمل في مواسم وأماكن محددة.
ومن شأن هذه القوى الخلاقة خلق المزيد من التنوع والسيولة في عالم العمل كل على طريقته ومن خلال قنوات مختلفة. والمشكلة هي أن سياسات تقاسم المخاطر السائدة -الضمان الاجتماعي وحماية العمال- في معظم البلدان لا تستوعب التنوع والسيولة على نحو جيد. ومن المرجح أن هذا الخلل يعكس السياقات التي وُضعت فيها هذه السياسات -التجانس النسبي واستقرار العمالة في العصر الصناعي المتأخر لأوروبا- وكذلك تطلعات الحكومات السابقة والحالية في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بشأن كيفية تحول اقتصاداتها هيكليا مع تحقيق التنمية.
وفي البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة اليوم، يتميز عالم العمل منذ فترة طويلة بالتنوع والسيولة، ومن المرجح أن يظل على هذا الحال. وتفترض سياسات تقاسم المخاطر السائدة -وخصوصا الضمان الاجتماعي وحماية العمالة وتنظيم العمل- التجانس؛ وأن أرباب العمل والشركات هم وكلاء فعالون وموثوقون للحماية الاجتماعية؛ وأن علاقة العمل تمثل أساسا مستقرا على نحو كاف لتوفير التغطية للعاملين وأسرهم.
وتشير هذه الوثيقة إلى أنه من شأن التباين بين الكيفية التي تفترض بها السياسات عمل معظم الناس وكيف يعملون في الواقع -واحتمالية عملهم في المستقبل- الحد من فعالية هذه الإجراءات التدخلية، بل ويسهم هذا التباين في تحقيق نواتج غير منصفة. ومن الملاحظ أن استبعاد العديد من العمالة من الحماية في الوقت الحالي يمثل في أغلب الأحيان دلالة على كيفية تصميم هذه الحماية.
وتعني زيادة قدرة الحكومة على توفير الحماية الاجتماعية أنه لا ينبغي أن يكون مكان عمل الشخص وكيفية قيامه بالعمل عقبة قانونية أو عقبة فعلية أمام التغطية. وتقترح هذه الوثيقة البيضاء حزمة من الضمانات ضد الفقر والخسائر الناتجة عن الكوارث وغيرها من أشكال الحماية التي تشجع التنوع والسيولة؛ والتي تقوم بإعداد العمالة من أجل التغيير وحمايتهم. ويعد النهج الذي نقترحه أكثر قوة تجاه الطبيعة المتغيرة للعمل، كما أنه يمثل طريقة أفضل للمجتمع لمساعدة الناس على المخاطرة، واغتنام الفرص، والحصول على نصيبهم من الفرص في الاقتصادات سريعة التغير.

مقالات ذات صلة

السوق مغلق المؤشر 1817.60 0.53%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock