أفكار ومواقف

بناء فرضيات اقتصادية واجتماعية جديدة

ان خطط الطوارئ القطاعية تعني تصعيد النمو في قطاعات محددة من خلال تركيز جهد استثنائي على هذه القطاعات وجعلها قطاعات قائدة في الاقتصاد، اي الكتلة الحرجة التي يمكنها أن تشكل القاطرة التي تحرك النمو في القطاعات الاخرى؛ هذا الامر يحتاج إلى بناء فرضيات اقتصادية واجتماعية جديدة ومختلفة عن المعتاد.
لا خلاف ان قطاعات مثل السياحة والمعلوماتية والطاقة والصناعات الدوائية والخدمات الصحية والتعليم العالي والصناعات الاستخراجية التقليدية (الفوسفات والبوتاس) انها قطاعات رائدة في الاقتصاد الأردني؛ وجميع هذه القطاعات التي كنا نتحدث قبل عقد وربما منذ عقدين على انها ستشكل مستقبل الأردن تعاني اليوم من مشاكل وتحديات ومخاطر، وبعضها تراجع خلال السنوات الاخيرة بشكل صادم.
هناك حاجة إلى اعادة بناء فرضيات الاختراق الاقتصادي في هذه القطاعات وفق منظور مختلف لتحليل التحديات والفرص؛ فعلى سبيل المثال كيف يمكن ان نبني فرضيات جديدة لتطوير صناعة السياحة بالانتقال من منظور سياحة النخب والفئات المترفة إلى فرضية جديدة تقوم على سياحة الطبقة الوسطى ما يتطلب اعادة قراءة مشهد التحولات السكانية العالمية والنظر إلى المجتمعات التي شهدت تحولات كبيرة لصالح اتساع الطبقة الوسطى في آخر عقدين مثل الهند والصين والبرازيل وغيرها؛ وعادة ما تكون الطبقة الوسطى طامحة واكثر طلبا على السياحة ورغبة في البحث عن التجديد، ان فهم خريطة السياحة في العالم تطلب فهم التحولات السكانية والحراك الاجتماعي الطبقي، وكما هو الحال الذي يتطلب تحرير القيود على بعض الجنسيات المقيدة ما يستدعي الامر ارادة سياسية واضحة في التدرج في استيعاب السياحة الدينية الايرانية وغيرها.
في هذا الوقت يحتاج قطاع الصناعات الدوائية والسياحة العلاجية إلى منظور جديد يقوم على فرضيات مختلفة قادرة على قراءة معمقة للطلب الاقليمي والدولي على الخدمات الصحية والتخلص من التشويه الذي علق بالخدمات العلاجية الأردنية في السنوات الخمس الاخيرة، ففي الوقت الذي ينعم فيه المجتمع الأردني بأعلى نسبة أطباء اختصاص مقارنة مع عدد السكان في الاقليم لا يوجد لدينا إلى اليوم على سبيل المثال اطباء في معالجات الإدمان ولم يقدم القطاع الخاص للاستثمار في هذه الخدمة في الوقت الذي تعصف فيه المخدرات في مجتمعات المنطقة وزادت بصورة صادمة في السنوات الاخيرة وكان من المفترض ان يتحول الأردن إلى موئل لهذه الخدمات، لا أدري هل تم تطوير قراءة للتحولات الاجتماعية في الاقليم في آخر عقدين من منظور الخدمات الصحية وأين تكمن الفجوات التي قد يساهم فيها قطاع اعمال أردني ناشط في مجال خدمات الرعاية الصحية.
الحاجة إلى فرضيات جديدة ضرورة ملحة في قطاع الانتاج وتحديدا الزراعي والصناعي على سبيل المثال الاشتغال على مراجعة العديد من الصناعات التي تراجعت في السنوات الاخيرة والسلع الزراعية المنافسة التي تحتاج ايضا إلى فرضيات من نوع آخر.
كم نحتاج اليوم إلى الخيال الجماعي المبدع في خلق اختراقات اقتصادية نوعية؛ بالطبع الخيال السياسي الجماعي لا يقصد به الخيال السياسي الفردي الذي طالما مارسه الافراد في الانظمة الشمولية، ولا الافراط في التشريق والتغريب في الاوهام والضلالات بدون اساس علمي او منطقي، نتحدث كثيرا عن تجاوز الازمات والبحث عن حلول مبتكرة وغير تقليدية وهناك انشاء إعلامي لا يتوقف حول “التفكير خارج الصندوق” ولكن بدون جدوى وسيبقى ذلك بدون جدوى؛ اذا لم تتوفر رؤية علمية مصحوبة بخيال مبدع وبإرادة سياسية لإحداث الاختراق المطلوب.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock