رأي في حياتنا

بنات الدوار!

ليس أسوأ على أي تحرك متفائل أكثر من أن ترسم خطا طوليا وتقسمه إلى نصفين! سواء من منطلق جهوي أو إقليمي أو ديني أو نوعي أو فكري. وهذه الطريقة وإن كان عمرها آلاف السنوات ولكن يبدو أنها ما تزال تجد طريقها الأسهل إلى التسلل ما بين خطوط العرض والطول والانحناء والميلان، فقط لتثبت صحة تقديراتها الخبيثة، وتضيع بعض الوقت الثمين للوصول إلى الأهداف النبيلة.
طلعت علينا مؤخرا، على سبيل المثال، أصوات تتحدث عن جدوى وجود البنات والسيدات في الحراكات الشعبية، أو الاحتجاحات والاعتصامات، باعتبار أن عورة المشاركة حاصلة ومحققة، ولا ينبغي لنا كمجتمع محافظ متدين أن يرضخ لها لأنها وعلى حسب الأصوات تلك، تضيع هيبة الفعل وتجعله مائعا باردا مشكوكا بنواياه، هذا إلى جانب السبب الأكبر لممناعة مشاركة الفتيات، وهو حرمة الاختلاط في الشوارع!
من يراقب عن كثب أو حتى يلاحظ سريعا ما تصنعه بنات البلد للبلد وفي البلد، يستحي أن يقرأ مثل تلك النصائح والتعليقات خصوصا وهي تتواتر جنبا إلى جنب مع صور البنات الملتفحات بالشالات والكوفيات، بكفوفهن الزرقاء من البرد وأنوفهن القرمزية، وأصواتهن المبحوحة من أجل مطالب حياتية، تمسهن وتعنيهن بالدرجة الأولى، كأخوات وأمهات وبنات أبناء هذا الشعب الطيب. يستحي لأن ما يحدث في شوارع الأردن بالذات، لا يشبه أبدا ما يمكن أن ترسمه مخيلات مريضة ما تزال تحصر رسم المرأة في وجدانها، وتضعه ضمن حدود جسدية لا تتعدى الرأس والقدمين وما بينهما!
لا ترى تلك المخيلات المدفوعة إما عن قناعة ذاتية، أو قناعات خارجية بأن المرأة في وطننا، إلى جانب أنها جميلة ورقيقة ووردية الروح، شعلة من الأمل والطموح والغضب والعنفوان، السائر نحو التغيير للأحسن من أجل البيت الذي خرجت منه وتعود إليه بأمان واطمئنان. لا يرى كم عينا غير ملعونة ترقب خفة حركتهن بخوف وحذر، وتضع نفسها على أهبة الاستعداد لأي بادرة يمكن أن تمر مجرد مرور من خيال واحدة منهن، وهي تنوي على الشر.
لا شر في وقوف المرأة الأردنية إلى جانب أخيها وأبيها وابنها وتلميذها وزميلها، في شارع بارد ممطر من أجل الالتفاف حول النار نفسها؛ النار التي لا تحرق يا سيدي بل تضيء وتدفئ الأوصال.
ما تفعله الصبايا في صناعة اليوم والغد حدث مشرف ويدعو للفخر أن في بلادنا من يحرك ساكنا، ويصنع الفرق بدون النظر إلى جنسه ونوعه. فالحال على الجميع واحد. والكأس يشرب منها الكل، الفتاة قبل الشاب بالمناسبة، لأنها جدار الصد الأول حين يقهر الرجال في هذا الوطن!
حتى السيدات المحترمات ممن تقلدن مناصب مهمة، ومسؤوليات كبيرة بل وخطيرة في بعض الأحيان، كن وما يزلن خير من يمثل هذا البلد ويتحدث بحنجرته ويذود عن سمعته في الداخل والخارج. وهن وإلى جانب تكبدهن فوق أعبائهن ثقل السخرية والاستخفاف بقدراتهن، من قبل الأصوات ذاتها التي تسعى إلى تشويه الصورة التي تكابد أن تحافظ على ألوانها، متماسكات صبورات وبأدب جم، إلا بعض الحالات التي لا علاقة لها بالنوع والجنس بل بأشياء مكررة تحدث مع الرجال أيضا!
بناتنا يعانين البطالة، ويخفن من مستقبل بلا سقوف ماكنة، يتقاضين رواتب غير منصفة، يتحملن أعباء أسر بكاملها، يكابدن قوانين تجور على حقوقهن كأردنيات كاملات الصلاحية، يستقظن قبل الكل وينمن بعد أن تغفو عيون أشقائهن ورفاقهن الأبطال. ليس كلاما إنشائيا بالمناسبة، ويكفي أن نشاهدهن ونقرأهن ونتابع مداخلاتهن في مجلس النواب ونتعلم من دروسهن في جلسات الحوار الوطنية، ونبتسم لصورهن المبللة تحت المطر وهن يصنعن الشاي الساخن للواقفين على الدوار!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock