مرعبة جدا فكرة أن يتوفى مرء في منزله وحيدا، ويظل على حاله مدة أسابيع من دون أن يعرف أحد أنه انتقل إلى الرفيق الأعلى.
كم كانت هذه القصص التي تأتينا من الغرب تقض مضاجعنا، ونحن نحاول أن نكذب تفاصيلها المؤلمة، باعتبارها ضروبا من الخيال. لكن قصصا وتفاصيل أشد إيلاما صارت تمر على مسامعنا ومشاهدتنا، مرورا سريعا سهلا وسطحيا إلى جانب أخبار الطقس، وآخر صيحات الموضة وصور فناجين القهوة الصباحية!
قبل أسبوع تقريبا عثر في عمان، على جثة سيدة طاعنة في السن، عاشت وماتت وحدها، وهي أم لبنات وأبناء عدة وجارة أسر عديدة، وبالتأكيد قريبة لعشرات من الأشخاص البعيدين جسديا وروحيا عنها.
المؤلم أن السيدة المتوفية بقيت جثتها لمدة أسابيع في وسط البيت، من دون أن يثير غيابها ارتياب أقرب المقربين إليها، ولو حتى على سبيل المعروف.
لا أعرف تفاصيل حياة هذه السيدة قليلة البخت، و التي أدت لأن تكون وحيدة في آخر أيام وساعات حياتها، كما ظلت بقاياها وحيدة لأيام طويلة أيضا. لكن مهما كانت تلك التفاصيل، فهي لن تشفع لأي كان مصيرها الحزين الموجع المذل.
لن نخوض للمرة المليون في قضية عقوق الوالدين والإساءة إليهما من قبل أولادهما، وتلك الحكايات المجترة من الموروث التعيس نفسه، الذي إن لم يحرك ساكنا في ضمائر الأبناء والأحفاد، فلا داعي له بعد اليوم، أو على أقل تقدير عليه أن يعيد تدوير نفسه ليتلاءم لغويا ووجدانيا وأخلاقيا، مع مجتمع يدنو من القسوة والتوحد بخطوات ثابتة مقدامة وعنيدة.
إنما والأمر صار على ما هو عليه، وقصة تلك السيدة يبدو أنها لن تكون الأخيرة للأسف الشديد، فإن مسؤولية جسيمة يجب أن تقع على المؤسسات الوطنية المعنية بتلك الفئة من كبار العمر.
وبتحديد أكثر، فإن وزارة التنمية الاجتماعية، ونعرف مدى شكواها الدائمة اللحوحة من حجم أعبائها، عليها أن تفعل شيئا لأجل كبار السن جميعهم في البلد، حتى لو كانوا من المحظوظين بأبناء محترمين مرضيين، أو بأوضاع اجتماعية جيدة. فالحال لا يبقى على ما هو عليه بين ليلة وضحاها. وهذه السيدة كأكبر مثال لا يمكن أن تصل إلى مرحلة تتوفى فيها على أريكتها في الصالة، ولا يسبق هذا المشهد صخب عائلي وزيارات متفرقة من هنا وهناك، حتى لو انقطع قبلها بأشهر.
نحتاج فعليا اليوم إلى بنك معلومات يرصد أسماء وعناوين وتفاصيل أولية لأحوال كبار السن جميعهم ممن تجاوز الستين من عمره، ولو كان على رأس عمله نشيطا وعفيا، أو كانت وسط أسرة متحابة متماسكة.
من حيث المبدأ نحن في الأردن لا نمتلك دراسة إحصائية علمية موثقة تخص هذه الفئة العمرية من الشعب، يترتب عليها نتائج سوف تكون في غاية الأهمية لرصد الأوضاع الصحية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية، لمن تجاوز عمره أو عمرها الستين.
مثل هذه الدراسة ستكون مصدرا أساسيا لحل مشكلات الشباب والمراهقين، خصوصا الصحية منها والتي أظن أنها ستبني قاعدة معلوماتية ضخمة في بيولوجيا وسيكولوجيا المجتمع الأردني.
الأمر لا يحتاج إلى عصا سحرية لا نمتلكها لوضع هذه الدراسة، ورصد أسماء وعناوين كبار السن. فبتعاون كل من وزارتي الصحة والتنمية الاجتماعية ودائرة الإحصاء، وبجهود مؤسسات تعليمية كالجامعة الأردنية مثلا وشركة اتصالات وطنية، يمكن أن نؤسس لبنك كبار السن ليكون قاعدة معلومات مهمة ترصد أوضاعهم، وتضع الضعاف منهم في مقامات كريمة، تحترم شيخوختهم وتؤسس لمبادرات اجتماعية تحل مشاكلهم بكرامة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock