أفكار ومواقف

بهدوء… عن قضية الغذاء ومأمونيته

بعد كل تصريح إشكالي حول قضية تتعلق بالصحة العامة، أو الغذاء من ناحية جودته أو سلامته، ندخل في دوامة البحث عن الحقيقة، هذا وضع غير مريح لأسباب عديدة أهمها؛ تعميق فجوة الثقة بين الناس ومؤسسات الدولة، بالإضافة للأثر السلبي على سمعة المنتج الغذائي الأردني وعلى طبيعة ونوعية الحياة وبالتالي السياحة وهي مصدر مهم نراهن عليه لزيادة الدخل القومي.
بنفس الوقت، لا يعني هذا مطلقاً تجاهل كل ما يقال حول سلامة الغذاء الذي نتناوله خاصة إذا كان مصدره شخص أكاديمي ولديه خبرة في مجاله وهو ما حصل في تصريحات منسوبة لمديرة المختبرات السابقة في مؤسسة الغذاء والدواء قبل أيام حول وجود مواد مسرطنة في الغذاء الذي نستهلكه، من الطبيعي أن يخلق هكذا تصريح من شخص عمل في المؤسسة يؤكد أن مصدر كلامه دراسات علمية منشورة، حالة ارباك وقلق تحتاج أجوبة قاطعة.
مؤسسة الغذاء والدواء ردت في بيان لها، بأن التصريح المنسوب لمديرة المختبرات السابقة يستند لتقرير سابق للأمم المتحدة يشير الى أن الغذاء في الأردن غير صحي بنسبة 84 % وهناك فرق كبير بين “غير صحي” و”فاسد” بالإضافة إلى أنه ورد في دراسة واحدة منشورة في العام 2019 لدراسة ماجستير أشرفت عليها مديرة المختبرات نفسها في العام 2015 وكررت نشرها لاحقاً في العام 2021، وهذا ليس دليلاً قاطعاً يمكن اعتماده، المؤسسة في بيانها، قدمت ما يفيد سلامة ومأمونية الغذاء وخضوعه لإجراءات قياسية وبمستوى المعايير العالمية عالية الدقة، وطمأنت الجميع أن الغذاء المستورد والمنتج آمن ولا داعي للقلق.
علينا أن نعترف أن المزاج العام في مجتمعنا غاضب لأسباب عديدة ويخضع لسلطة أخطر من سلط الدولة والعقل معاً وهي سلطة التواصل الاجتماعي ويرفض قبول الرواية الرسمية حتى دون أن يحاكمها بموضوعية وعلمية؛ بل هناك من سارع فوراً لتبنى الرأي الذي يدعم رأي مديرة المختبرات السابقة وهناك من تبنى بنسبة أقل سردية مؤسسة الغذاء والدواء.
هذا يحدث في كل بلاد الدنيا، علينا أن نتفهم هذا الواقع ونتقبله، وبنفس الوقت علينا أن نخضعه لمحددات دقيقة تساهم في جلاء الحقيقة وتنصف الجميع بعيداً عن الانفعال والرغبة المسبقة في ادانة هذه الجهة أو تبرئة تلك وشراء الشعبويات.
من هنا يمكن تفهم تحرك الادعاء العام باعتباره الجهة التي تمثل المجتمع وتباشر الدعوى امام القضاء في أي قضية تمس المجتمع وأمنه وسلامته وتحري مصداقية ما يثار حول سلامة الغذاء والمؤكد أن القضاء يتحرك بوازع من رسالته الأساسية ولا يجب أن يفهم ويفسر أي محاولة لهذا التحرك في إطار الرغبة في حجب المعلومة والحقائق عن الناس بل من حقنا كمواطنين أن نتبين الحقيقة كاملة دون ان نقبل رواية ونرفض الأخرى.
بنفس الوقت، من المهم أن تتحرك الجهة الرقابية دستورياً على اعمال الحكومة وهي مجلس النواب من خلال لجنة الصحة والبيئة بتشكيل لجنة تحقيق وتقصي حقائق تعتمد في عملها على أكاديميين أكفاء من الجامعات الأردنية وخبراء في مجال الصناعات الغذائية ونقابة الأطباء ونقابة الصيادلة وكل ما يمكن الاستفادة من رأيه؛ وبنفس الوقت الاستماع بجدية لما طرحته مديرة المختبرات السابقة ومؤسسة الغذاء والدواء وإصدار تقرير يعلن للعامة وإن استدعى إحالته للقضاء لأن علينا الخروج من هذه الدوامة التي كلما اختفت لسنوات عادت بقوة وزخم أكبر.
قضية الغذاء وسلامته هي قضية أمن قومي في المحصلة، ويجب أن نتعامل معها بهدوء وتروّ، ولكن بحزم وصرامة ودون أن نخضع لشروط التواصل الاجتماعي التي يغلب فيها الصوت الأعلى وليس دائما الصوت الأعلى محق ودون أن يظلم أحد والأهم ألا نظلم بلدنا ونجلده.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock