أخبار محليةاقتصاد

بهمة أبناء المدينة ومبادراتهم المجتمعية.. السلط تتصدر قائمة اليونسكو

منى أبوحمور

عمان- بهمة أبناء مدينة السلط ومبادراتهم الخلاقة، والسعي نحو نقل صورة تاريخية وحضارية لمدينة السلط وقصص من عبق التاريخ سكنت حجارتها الصفراء عبر عقود مضت، استطاعت مدينة السلط أن تحقق مكانة تراثية تليق بها وتستحقها عن جدارة.
لم يأت قرار لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) بالموافقة على إدراج مدينة السلط “مدينة التسامح والضيافة الحضارية” على قائمة التراث العالمي من فراغ، إنما هو ترجمة حقيقية للأهمية التاريخية لهذه المدينة، وصور التكافل الاجتماعي بين الأسر في مدينة السلط وزوارها.
تجاورت العائلات في مدينة السلط منذ عقود عدة، وتشاركوا لقمة الأكل والشراب وكانت أفراحهم واحدة، وكذلك مصابهم، فإذا ضاقت عائلة في الجدعة وقفت إلى جانبها عائلات الخضر والميدان، فأعيادهم واحدة وصيامهم واحد، والقلوب في هذه المدينة تجتمع على الحب والتسامح.
أدراج السلط على قائمة التراث العالمي تؤكد حقيقة ثقافة التسامح والوئام بين الأديان واللحمة التي تعيشها عائلات مدينة السلط التي تجتمع على حب المكان.
وأخذ شباب مدينة السلط على عاتقهم الحفاظ على مدينتهم، والسعي لأن تكون تلك المدينة التراثية الحضارية في آن واحد منبع الفكر والثقافة، إذ انعكس ذلك من خلال مبادراتهم وجهودهم تلك المدينة العريقة ونقلوا من خلال المسارات السياحية التي قاموا بها بجهود فردية تاريخ تلك المدينة بحجارة أبنيتها الصفراء من حكايات وعادات وتقاليد ما يزال أهل المدينة يتمسكون بها.
الناشطة الاجتماعية مؤسسة مبادرة “متعاونين بالخير” ليندا أبوالرغب، تعد من عشرات الشباب من أبناء المدينة الذين حملوا على أكتافهم مسؤولية الحفاظ على مدينتهم والترويج لها بداخل الأردن وخارجها إيمانا منهم بأهمية هذه المدينة العريقة التي مرت عليها العديد من الحضارات، ورغبة منهم في أن يضعوا لها مكانة تاريخية مميزة.
أبوالراغب، في حديث لها لـ”الغد”، بينت الدور الكبير لشباب المدينة الذين استطاعوا من خلال صفحاتهم الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي والجهود والمبادرات التي يقومون بها داخل المدينة ابتداء من المسارات السياحية مرورا بمشاركة متابعيهم صورا وفيديوهات تبين جماليات المدينة وعراقتها ونقل روح التسامح والمحبة التي تجمع عائلات السلط منذ نشأة المدينة.
نفذت أبوالراغب برفقة متطوعين من أهل المدينة العديد من المبادرات لإظهار جماليات المدينة، فرسموا جداريات ملونة ووزعوا الورود على جوانب الطرقات، فضلا عن تزيين وترتيب مداخل المدينة رغبة منهم في جذب الأنظار إليها بإمكانيات مادية محدودة وجهود فردية.
وفي مبادرة أخرى، قامت أبوالراغب بجولة في أنحاء المدينة كافة صورت خلالها المناطق والأحياء القديمة في المدينة نقلت حالة التعايش في شارع الخضر والأسواق القديمة في المدينة والحجر الأصفر الذي زين المدينة.
“الخلقة السلطية”، وهو اللبس التراثي لنساء مدينة السلط كان إحدى المبادرات التي قامت بها أبوالراغب من خلال تعريف الناس بهذا اللباس التراثي المميز وتنظيم فعاليات ترتدي خلالها الفتيات هذا اللباس، مبينة أن العديد من متابعيها داخل الأردن وخارجها أبدوا رغبتهم في ارتدائه والتقاط الصور به.
وكان للأكلات التراثية التي تقدمها نساء السلط دور كبير في جذب الأنظار إلى المدينة، فالموائد السلطية التي تتخلل الفعاليات والبازارات كان لها دور كبير في قدوم الناس إلى المدينة من خارج الأردن وداخلها، فضلا عما عرف عن نساء المدينة من تحضير السماق والزعتر البلدي والزيتون والمخللات والسمن البلدي الذي يضرب به المثل أينما كان.
رئيس جمعية المحافظة على التراث أحمد وشاح، أكد لـ”الغد” جهود المبادرة منذ تأسيسها في العام 2002 في الحفاظ على المباني التراثية والعادات والتقاليد والثقافات المكتسبة. لم يوفر الوشاح وأعضاء الجمعية جهدا في إبراز التراث في أشكاله المختلفة والمحافظة عليه، وتبنت الجمعية ضمن جهودها الوثيقة التي تحد من هدم المباني التراثية وإجراء أي تغيير في معالم الأبنية وتعد الأولى من نوعها وتم توقيعها في محافظات المملكة كافة.
وبمبادرة شخصية وجهود فردية، أعاد الوشاح الحياة للعبة المنقلة الشعبية من خلال إقامة دورات تدريبية ومسابقات بين المشاركين رغبة منه في إحياء هذه اللعبة التاريخية التي ارتبط اسمها باسم مدينة السلط.
ويثمن الوشاح جهود أبناء المدينة والمجتمع المحلي كافة في الوصول إلى هذه المكانة التي وصلت لها المدينة والإنجاز التاريخي، مناشدا جميع الجهات المسؤولة ومؤسسات المجتمع المدني وأبناء المدينة للمحافظة على هذا الإنجاز والوصول به إلى مصاف المدن العالمية المتقدمة في هذا المجال.
ومن جانب آخر، أسهمت الصفحات الرسمية لمدينة السلط على مواقع التواصل الاجتماعي التي يقوم عليها أبناء المدينة، بالترويج للمدينة والتعريف بها ونقل صورة حضارية لحالة التعايش بين عائلاتها، وفق حمدي خليفات مؤسس صفحة “أخبار السلط” التي يتابعها أكثر من 100 ألف متابع من أنحاء العالم كافة.
ويؤكد خليفات أن صفحة “أخبار السلط”، كغيرها من الصفحات الرسمية في المدينة، داعمة للأماكن التراثية والتاريخية في المدينة التي تعود لعقود طوال وتقوم بمتابعة مبادرات أبناء المدينة وتشجيعهم على إبراز مدينة السلط ونقل صورة جمالية وثقافية وتراثية في الوقت ذاته.
وكان للصفحة دور كبير ومهم في التعريف بتاريخ المناطق والأحياء القديمة في المدينة والعشائر التي تعاقبت على هذه المدينة وعاداتها وتقاليدها، فأصبحت المدينة أكثر قربا إلى زوارها، كما أسهمت في رفع وعي أهل المدينة في الحفاظ على المناطق القديمة والمباني التراثية والحفاظ على الحجر والبشر.
العمارة المتميزة لمدينة السلط تبين التبادلات الثقافية التي أسفرت عن مزيج فريد من الأنماط المعمارية عالية المستوى، بحسب ما قال وزير السياحة والآثار الأردني نايف الفايز، خلال مشاركته في اجتماعات لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، في دورتها الرابعة والأربعين المنعقدة في الصين افتراضيا، ما يشير إلى التزام الأردن بحماية واستدامة القيمة العالمية المتميزة وسمات مدينة السلط.
ولفت الفايز إلى أن ملف ترشيح السلط تم تقديمه لأول مرة العام 1995، ثم لاحقا في العام 2017 وأخيرا العام 2020، وإدراج مدينة السلط على قائمة التراث العالمي، يأتي نتيجة التعاون الكبير والجهود الحثيثة والعمل بروح الفريق الواحد بين الوزارة والجهات المعنية الأخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى