أفكار ومواقف

بورصة الدم العربي

في ثنايا الانقسام العربي المفجع بشأن العدوان الإسرائيلي الحالي على قطاع غزة، وهو ليس إلا انقساماً جديدا فلن يكون الأخير حتماً، توارى إجماع عربي نادر حول الاعتراف بأن في غزة بشر يستحقون الحياة!
فباسم أرواح ودماء هؤلاء، تتم إدانة المقاومة الفلسطينية، بزعم أنها جرّت على الغزيين الموت والدمار. لكن هنا يكون السؤال الذي لا مفر منه: أين كان أصحاب براءة الاكتشاف الجديد هذا يوم كانت غزة قبل هذا العدوان محاصرة إسرائيلياً وعربياً؛ يُقتل أهلها، معنوياً إن لم يكن جسدياً، بصمت؟ ألم يكن في غزة قبل شهر، وأسوة بشعوب ومجتمعات الأرض كافة، أطفال ونساء وعجائز وشيوخ؟ أم أن المقاومة الفلسطينية استأجرت هؤلاء المدنيين أو اختطفتهم عشية العدوان لاستخدامهم دروعاً بشرية؟! علماً أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن من يدينون المقاومة اليوم هم أكثر “مبدئية في لاإنسانيتهم” من رفاقهم في سلاح الصمت والتواطؤ على ذبح غزة قبل العدوان، والذين سارعوا إلى الانشقاق مع بدء الهجوم الإسرائيلي، كمن يتاجر بمعاناة الغزيين بعد أن علا صوت موتهم وصار فضيحة للصامتين، لاسيما أن هؤلاء المنشقين مؤقتاً نحو الإنسانية، سيعودون بالتأكيد إلى صمتهم مع نهاية العمليات العسكرية، وإن استمر العدوان بالحصار.
بالنتيجة، يكون السؤال الفعلي اللازم الإجابة عنه: متى يصبح الدم العربي، من وجهة نظر عربية، غالياً، ومتى يصبح بخساً، بل وجديراً بالسفك؟
هذا السؤال لا يقتصر على الفلسطينيين في غزة تحديداً، بل يمتد إلى كثير من البلدان العربية. وبشكل واضح مباشر، يمكن طرح السؤال البدهي والغريب ببداهته: لماذا يجب حماية الأزيديين والصابئة في العراق، ومثلهم المسيحيون في العراق أيضاً وسورية؟ هنا يفترض أننا أمام إجابتين بدهيّتين: لأنهم مواطنون، و/ أو لأنهم بشر ابتداء. لكن كيف تصدق هكذا إجابة لدى من يبررون قتل المواطنين السوريين والعراقيين، من كل الأعراق والأديان والمذاهب الأخرى، على يد نظامي المالكي والأسد، فيتم التباكي على فئات محددة  يُفترض أنهم كذلك “مواطنون” و”بشر”؟! ومرة أخرى، متى يرتفع ثمن دم المواطن السوري والعراقي عموماً، ومتى يصبح أرخص من ماء مراق؟
قبل سنوات طويلة، لخص معلق فرنسي معايير الغرب المزدوجة بشأن حقوق الإنسان في بلدان العالم المختلفة، لاسيما في العالم العربي، بقوله: “ثمة دماء تثير الشفقة.. ودماء تثير الاشمئزاز”. وعلى قسوة التوصيف، مع دقته وصدقيته، يظل يحسب للغرب أن معاييره المزدوجة تلك كانت ثابتة بدرجة كبيرة، يمكن توقعها والتصرف على أساسها. لكن بين العرب الذين يعيبون على الغرب هذه المعايير، من جعلوا من الدم العربي مجالاً للمضاربة كما أي سلعة في بورصة، بحيث يغدو هذا الدم ثميناً في يوم، قبل أن يصبح في اليوم التالي مباشرة بلا أي قيمة، وفقاً لمعيار مدى صلاحية هذا الدم في الاستخدام للمزايدة والمتاجرة والدفاع عن أوضاع الفساد والاستبداد القائمة، لكن محصلة ذلك أن الدم العربي يصبح في النتيجة النهائية بلا قيمة دائماً.

تعليق واحد

  1. نحن لسنا أمة
    ربما من السذاجة القول أنّ العنوان صدمني، ولكنه صدمني!
    أقول من السذاجة لأن شلال الدم المتدفق هدرا في عالمنا العربي سواء كان بأيدي أعدائنا أم بأيدي بني جلدتنا، هو بالفعل اشبه ببورصة دم، ولكن بلا أسعار، فكل دمائنا تباع لا بثمن بخس، بل بالمجان.
    غزة كانت ورقة التوت الأخيرة التي سقطت عن سوءة تشرذمنا، وتعفن الحياة في عروقنا، وانسكاب ماء وجوهنا حتى آخر قطرة.
    كيف انحدرنا كمجموع وأمة إلى هذا الدرك من انعدام القيمة والرابط والحضور؟ وإذا أردنا أن نطبق على أنفسنا تعريف الأمة، فهل نحن أمة حقا؟
    إذا كنا قد وصلنا إلى هذا الحد من الهوان على أنفسنا وأمتنا فكيف إذن نلوم ازدواجية المجتمع الدولي ومتاجرته بدمائنا بلا ضمير ولا ثمن؟

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock