أفكار ومواقف

بولارد وسياسة دعم نتنياهو

ليس واضحا حتى الآن، مدى صدق الأنباء التي تحدثت عن احتمال أن تقرر السلطات الأميركية إطلاق سراح الجاسوس الإسرائيلي في السجون الأميركية جوناثان بولارد، تجاوبا مع ما تطلبه الحكومة الإسرائيلية، حتى من دون مقابل بتحرير أسرى فلسطينيين. ولكن ما هو واضح، أن الخطاب الأميركي في “الأزمة” المعلنة في المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية، فيه الكثير من الدعم لشخص بنيامين نتنياهو؛ إذ إن واشنطن داعمة بالمطلق للسياسة الإسرائيلية على مر السنين.
وتعبير “أزمة” في وصف حالة الأيام الأخيرة للمفاوضات، مضحك للغاية؛ لأن هذه جولة مفاوضات وُلدت مأزومة أصلا قبل أكثر من ثمانية أشهر، ولم يتحقق فيها أي شيء، سوى الآلاف المؤلفة من البيوت الاستيطانية الجديدة في الضفة الغربية، بما فيها القدس، مقابل تحرير 78 من قدامى الأسرى الفلسطينيين. وهذا كان معروفا منذ اللحظة الأولى التي جلس فيها الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني إلى طاولة المفاوضات، لأن الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية التي جرت مطلع العام 2013، أتت بحكومة أكثر تطرفا، وفيها حالة شبه إجماع بشأن سياسة اليمين المتطرف. فمن ظهر وكأنه أقل تشددا في هذه الحكومة، على شاكلة تسيبي ليفني وزملائها، تأكد أن أجندته الوحيدة هو البقاء في المشهد السياسي بكل ثمن؛ فلا مبادئ ولا برامج سياسية، سوى مبادئ التطرف والتشدد.
خرج نتنياهو من الدورة البرلمانية الشتوية منتصف الشهر الماضي، أقوى سياسيا، مع حكومة تدل كل المؤشرات على أنها أكثر ثباتا من سابقتها، علما أن حكومة نتنياهو السابقة كانت الأولى منذ العام 1996، والتي صمدت أربع سنوات، ولا يبدو أن الحكومة الحالية ستكون أقل من ذلك. هذا يعني أن نتنياهو لا يواجه أي ضغط كاف؛ حكومي أو برلماني أو في الشارع الإسرائيلي، ليتجه نحو حل الصراع. وكل استطلاعات الرأي التي تظهر تباعا تشير إلى انعدام أي منافس حقيقي له في هذه المرحلة وفي المستقبل القريب.
أمام وضع كهذا، نسمع من وراء المحيط عن النية لتحرير بولارد. وليس من المفروض أن نكون طرفا في هذه القضية إطلاقا، إلا أن تنفيذ هذه النية، سيشكل ورقة رابحة جدا بيد نتنياهو أمام الرأي العام لديه، لأنه سيخرج إلى الملأ معلنا أنه هو من استطاع تحقيق هذا المطلب الإسرائيلي منذ سنوات طوال، وحتى في ظل تشدد سياسي أكثر. ولا يحتاج الأمر إلى تكهنات لنقول إن استطلاعات الرأي التي ستتبع تلك الخطوة، ستدل على ارتفاع آخر في شعبية نتنياهو.
ليس هذا فحسب، بل إن رد الفعل الأميركي في الأيام الأخيرة، بتوجيه تهمة “تفجير” المفاوضات، المتفرقعة أصلا منذ لحظتها الأولى، إلى الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، يدل على أن واشنطن لم تكن ترى في سلسلة الممارسات الإسرائيلية، وخاصة مشاريع الاستيطان وتهويد القدس المحتلة بوتيرة غير مسبوقة، قضايا من شأنها أن تفجر المفاوضات لاحقا، وتعدم آفاق الحل؛ بل جاء “الغضب” الأميركي فقط بعد إعلان الرئاسة الفلسطينية التوجه إلى الأمم المتحدة، حينها “شعرت” واشنطن بالأزمة، ولأن إسرائيل “غضبت وثار غليانها”، حسب تعبير وسائل الإعلام الإسرائيلية.
الجوهري في هذا الأمر، هو أن واشنطن التي تلعب دور الوسيط، المنحاز دوما، لا ترى في إسرائيل دولة معتدية، وأن ما هو مطلوب من المعتدي أكثر بما لا يقاس مما هو مطلوب من الضحية، هذا إذا كان الضحية مطالبا بشيء أصلا.
لقد جاء وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى المنطقة منذ نحو عام، وكأنه يريد إحداث انقلاب في كل مسار المفاوضات المسدود، رغم أن من سبقه بذلك في إدارة الرئيس باراك أوباما السابقة، وبدعم أوباما ذاته، عاد خائبا، بفعل السياسة الإسرائيلية. وظهر كيري بعدة أوجه، بيّنته وكأنه أكثر “موضوعية” مقارنة بمن سبقوه، وشهدنا نرفزات إسرائيلية كثيرة ضده، خاصة في رأس الهرم الحاكم. ولكن هناك من همس في إسرائيل، داعيا إلى الحذر في التفوه ضد كيري، لكونه من أقوى أصدقاء إسرائيل في مجلس الشيوخ على مر السنين. وقد أثبت كيري هذا مجددا بالورقة التي يلوح بها، ويريد فرضها على القيادة الفلسطينية، وتتضمن اعترافا فلسطينيا بما يسمى “يهودية الدولة”، وبما يعني صهينة حركة التحرر الوطني الفلسطيني، وهذا بحد ذاته يقول كل شيء.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock