أفكار ومواقف

بولتون وترامب: صراع المُلهم والرئيس

لا ينافس جائحة كورونا وموجة العنصرية في أميركا إلا الحديث عن مذكرات جون بولتون مستشار الأمن القومي السابق الذي لم يستمر طويلاً في موقعه وأقيل بعد عام تقريباً من تعيينه في هذا الموقع، عزله ترامب بتغريدة على تويتر ولم يكتف بالإقالة بل تعمد إهانته بوصفه «عديم الكفاءة والغبي والممل» وهو ما صمت عليه بولتون بالرغم من عنجهيته، وانتظر ليكون الرد ليس عبر تويتر بل عبر نشر تجربته وطرحها للرأي العام في وقت بالغ الدقة والحساسية لترامب وهو يترنح تحت ضربات جائحة كورونا والعنصرية وتراجع الاقتصاد وقبيل الانتخابات الرئاسية بخمسة أشهر.
اختيار مناسب للنشر «الغرفة التي شهدت الأحداث» وهي جملة من المشاهدات التي سجلها أثناء وجوده في البيت الأبيض ومنها: وصفه ترامب بأنه جاهل بأبسط حقائق الجغرافيا والسياسة كسؤاله هل فنلندا تتبع لروسيا وأنه تفاجأ بأن بريطانيا قوة نووية، وفي سبيل غايته لضمان عودته للرئاسة يشير لمحاولته الطلب من الرئيس الصيني دعمه في شراء المنتوجات الزراعية الأميركية لأن هذا سيساعده في كسب أصوات الغرب الأميركي لأنه يساعده في العودة للرئاسة وفي سبيل ذلك لم يكن لدى ترامب أي مانع من قيام الصين ببناء معسكرات لاعتقال أقلية الايغور المسلمة، ومساعدته للرئيس التركي اردوغان بالتحلل من اتهام شركات تركية بخرق العقوبات مع إيران بالإضافة لتفاصيل كثيرة معظمها تدلل على تفرده في الاجتماعات وحديثه أكثر من المختصين ويصفه بأنه غير مؤهل لرئاسة أميركا.
ترامب في رد فعله الأولي غرد على تويتر واصفاً الكتاب، «بأنها مجموعة أكاذيب وروايات مختلقة، كلّها بهدف إظهاره بصورة سيئة، وأن الكثير من التصريحات السخيفة التي ينسبها له لم يقلها يوماً، وأنه مجرد خيال بحت يحاول فقط الانتقام لأنني أقلته»، البيت الأبيض حاول حظر نشر الكتاب الذي سربت منه نسخ لوسائل الإعلام ونشرت أجزاء مثيرة منه ولكن قاضيا أميركيا رفض الطلب، بينما أكدت وزارة العدل الأميركية أن الكتاب لم يراجع بالشكل الكافي لكن بولتون قامر بالأمن القومي وعرض بلاده للأذى.
المفارقة هنا أن إصرار ترامب في منع نشر الكتاب زادت من عنصر التشويق والرغبة في الاطلاع عليه بالرغم من أن العديد من الكتب التي نشرت من قبل فيها الكثير من النقد القاسي واللاذع لترامب وسلوكه السياسي الا أن هذا الكتاب تأتي أهميته كونه يأتي من أحد أهم صانعي سياسة ترامب في البدايات الأولى والمنظّر الذي يصغي له ترامب، والشخصيتان اللتان تلتقيان في التطرف لأقصى درجة والانحياز المطلق لإسرائيل والنظرة الاستعلائية والاستهتار بأهمية العلاقات الدولية.
الملاحظة المهمة في المعلومات المسربة أن ترامب وبولتون وإن اختلفا كثيراً لكنهما تنافسا على خدمة إسرائيل بل إن بولتون يعتبر أن تراخي ترامب في الرد على إيران بعد إسقاط إيران طائرة التجسس المسيرة أمر معيب ومخز، وأن سلوك ترامب سيؤدي لاستمرار المشروع النووي الإيراني وهذا خطر على إسرائيل ويستذكر أنه في أحد الاجتماعات طلب منه ترامب أن يخبر نتنياهو بأنه إذا استخدم القوة ضد إيران بأنه سيدعمه، وعندما قال أخبرته، قال أخبره مرة ثانية، لكنه تباطأ في لجم إيران وتحجيم خطرها على إسرائيل، بشكل يوحي بأن قلق بولتون عليها أكثر من نتنياهو نفسه.
الكتاب سيكون الأكثر تأثيرا في الرأي العام الأميركي ضد ترامب خاصة في ظل تنامي موجة العنصرية ضد الأميركيين من أصل أفريقي فهل ينجح أحد أهم مُلهمي ومُنظري ترامب في إبعاده عن الولاية الثانية؟

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock