;
أفكار ومواقف

بيئات طاردة

54 % من الطلبة العرب الذين يدرسون في الخارج، لا يعودون إلى بلدانهم الأصلية. لم أستطع الوصول إلى رقم تقريبي لهذه النسبة، أو إلى الرقم الكلي للعرب الدارسين خارج البلدان العربية، ولكن النسبة تبقى كبيرة لا يمكن تجاوزها.
الأرقام التي كشفها المؤتمر السنوي الثامن حول “الموارد البشرية في الوطن العربي بين التوطين والهجرة”، والذي نظمته الأمانة العامة لرابطة مركز بحوث تنمية الموارد البشرية في الوطن العربي، بمشاركة عربية واسعة الأسبوع الماضي، يتوجب أن نتوقف عندها طويلا، فهي تشير إلى استنزاف كبير يحرمنا من العقول التي تهاجر بحثا عن فرص أفضل، خصوصا أنها لا تكاد تحظى بفرص مرضية في بلدانها.
المؤتمر كشف كذلك عن أن 50 % من الأطباء العرب، و23 % من المهندسين، و15 % من العلماء من مجموع الكفاءات العربية، تهاجر إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وكندا على وجه الخصوص، ما يعني أن ما يتبقى لدينا هي الكفاءات المتوسطة التي لن تستطيع تطوير الحياة العلمية، أو الإسهام بفاعلية في تقدم المجتمعات العربية، خصوصا مع شبه التعطل الذي تعيشه الحياة العلمية على مستوى البحوث العلمية؛ النظرية والتطبيقية.
هذه الخسارات الفادحة نتابعها بأعيننا من دون أن نعمد إلى عمل أي شيء، فأسبابها متشعبة، وينبغي العمل فيها على أكثر من مستوى، وأولها غياب العدالة في الفرص المتساوية أمام الجميع، فما يزال العالم العربي يعيش فسادا إداريا كبيرا تتغلغل فيه الواسطة والمحسوبية التي يمكن لها أن تستثني عالما ما من موقع يستحقه، لمصلحة شخص لا يوجد معه أي مؤهل سوى أنه مدعوم ومن أصحاب الحظوة الذين تفتح لهم الأبواب على اتساعها.
إن غياب العدالة أجبر كثيرا من العقول على البحث عن مستقبلها خارج أسوار العالم العربي، ما دامت الأوطان غير قادرة على أن تعاملهم بإنصاف، خصوصا أن بلدان العالم المتقدم تفتح ذراعيها لتلك العقول، وتمنحهم جميع الامتيازات، لأنها تعلم بأنها قادرة على الاستفادة منهم بما ينعكس إيجابا على بلدانها وتقدمها وازدهارها.
المسألة الأخرى المهمة في هذا السياق، عدم وجود بيئة علمية حقيقية في البلدان العربية، لا في الجامعات، ولا في مراكز البحث العلمي الكثيرة العاطلة عن العمل الحقيقي. لقد فشلت الدول العربية في أن تصنع بيئة بحثية حقيقية، وذلك لأسباب عديدة أهمها أنها لا تمنح هذا الأمر أي أولوية.
يكفي أن نعرف، مثلا، أن الدول العربية تأتي ضمن الدول الأقل إنفاقا على البحث العلمي، رغم ارتفاع مؤشر بعضها في السنوات الأخيرة. إسرائيل تنفق 4.7 % من ناتجها القومي على البحث العلمي، بينما معدل الإنفاق العربي لا يتجاوز 0.2 %.
في المحصلة، سوف يبقى نزيف العقول العربية قائما ما دمنا حتى اليوم غير قادرين على تكريس البحث العلمي كخيار استراتيجي للتقدم والتنمية، وما دمنا لا نستطيع حتى الآن توفير البنية التحتية الملائمة، وأيضا مع غياب العدالة تكافؤ الفرص، كل هذه الأسباب توفر بيئة “مثالية” طاردة لكل ما يمت إلى الجدية والإصلاح.
سوف يبقى علماؤنا بلا أي تأثير في مجتمعاتهم، بينما كثير منهم يقود اليوم نهضة كبيرة في بلدان العالم، لأنه وجد الترحيب والعدالة والبنية التحتية الملائمة للإبداع والابتكار.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock