أفكار ومواقف

بيان وطن

تعرفت على شعر وحياة «عرار»؛ مصطفى وهبي التل في الجامعة في الثمانينيات، وكلما مرت ذكراه السنوية – وقد حلت قبل أيام- أعود لاكتشاف ولعي الشخصي بهذه الشخصية الجدلية، وعرار في نظري شاعر عالمي وليس فقط أردنيا عربيا، ولعل وجه الشبه الأساس بين عرار والأردن أن كليهما به «.. في كل معركة أثرت عجاجها ندبة»، فحياة عرار منذ ولادته في إربد، وطوال رحلته من مدرسة الصالحية / إربد مرورا بمدرسة «مكتب عنبر في دمشق»، وعبر منافيه المتعددة من حلب إلى مادبا إلى العقبة، وبانحيازاته الفكرية والإنسانية والسياسية، فقد نحت حياته بيده، نحتها سلسلة من المعارك، معارك شكلت في قيمتها الإنسانية والسياسية بناء لتراث يمتزج فيه الشخص بالوطن امتزاجا حتى كأنك لا تفرق بينهما. نعم ظل عرار في وجداني «أقدم» شخصية أردنية تقدمية بالتعبير السياسي الدارج، وظل ينحت في الصخر لترسيخ قيم اعتنقها وآمن بها، وكأنها أسس بناء الدولة الأردنية التي وقف على مراحل تأسيسها إمارة ثم مملكة قبل أن يتوفاه الأجل العام 1947.
عرار العروبي الإنساني نشأ على معاداة المشروع الصهيوني، ومنذ ذلك الحين وقف على خطر هذا المشروع ليس على فلسطين بل على الأردن، بل على جامع قريته وكنيسة العذراء فيها، ولهذا نظم محذرا:
«يا رب، إن «بلفور» أنفذ وعـده كم مسلما يبقى وكم نصراني؟!
وكيان مسجد قريتي من ذا الذي يبقـي عليه إذا أزيل كيانـي؟
وكنيسـة العذراء أين مكانهـا سيكون إن بعث اليهود مكاني؟»
وهذا الوعي «السابق زمنه» لخطر المشروع الصهيوني على الأردن، صاحبه مفهوم متقدم للوطن الذي تمثله عرار من جميع الناس، ومن جميع الأديان، وهو يقول أيضا:
«بارك الله فيك أردن دارا، ليس فيك الغريب عن أوطانه
بلد كله هدى فسواء قرع ناقوسه وصوت اذانه».
لكن ولعي الشخصي بعرار يكمن في تعلقه بالحرية، وأعتقد ان عرار من الشخصيات الرواسي العالمية، التي تعلقت بالحرية وبالدفاع عنها، وعن اهمية ان يكون للانسان الحق في اختيار نهجه ونمط تفكيره وطريقته في الحياة، وهذا هو السبب العميق الانساني الذي جعل هذا الشاعر الذي عمل في التعليم والقضاء وفي الديوان الملكي يهيم بثقافة وتراث الغجر، ذلك التراث الذي رآه صادقا انسانيا ثقافيا تقدميا، وقد فتنني هذا الشاعر الذي تراوح – بين المنفى وديوان الملك- على الاصرار بالجهر بهذا الانحياز الانساني الثقافي. فإن مجاهرة عرار بحياته مع الغجر هي دعوة لقبول الآخر والاعلان عن الذات؛ اعلان الاحرار الشجعان، وهذه رسالة خالدة لكل المدعين تعلقهم بالحرية الذين يعيشون حيوات متعددة أغلبها في الظل!
درس آخر من عرار نحتاجه اليوم، فإن هذا الشاعر الذي كان «رعية» تحت الحكم العثماني ثم مقاوما للاستعمار الانجليزي، حسم الامر ببناء وطنه على اساس من المواطنة «التابعية الاردنية» اي الجنسية، وهو ينشد لرمز السلطة «مدعي عام اللواء» ان اساس التعامل بين الناس لا يقوم على المال او الجاه او التقسيمات الاجتماعية المزيفة! فيقول:
يا مدعي عام اللواء وخير من فهم القضية مناط آمال القضاة وحرز إنصاف الرعية
ليس الزعامة شرطها لبس الفراء البجدلية فيفوز عمرو دون بكر بالمقابلة السنية!
فاسرع وكفر، يا هداك الله، عن تلك الخطية فالهبر مثلي ثم مثلك أردني التابعية.
نعم اساس المساواة امام القانون هي التابعية الجنسية الاردنية، وهذا لعمري اساس المساواة امام القانون والتأسيس الدستوري لحقوق الاردنيين وواجباتهم.
عرار وقف ضد القهر والظلم وناضل لوطن يقوم على حرية المواطن، وعلى حقه في امتلاك خياراته، وعلى المساواة امام القانون، وتكافؤ الفرص بين الناس، وعلى العدالة السياسية والاجتماعية، وفي ذكرى عرار الـ125، وفي رحاب هذا الشاعر الفذ والشخصية السياسية الوطنية الاردنية العربية العالمية، وفي هذا الوقت بالذات، فإن الاولى بنا ان نلتفت لقيم عرار المؤسسة لوطن يسوده السلام بسيادة القانون والمواطنة والحرية، الاولى الرجوع لقيم عرار والتي كرسها الدستور؛ فإن أي انشغالات اخرى هي انشغال عن بناء الأردن، وهي زبد يذهب جفاء، وأما قيم عرار بالحرية والمواطنة فهي ما ينفع الناس والاوطان ويمكث في الارض، فاهم علي جنابك؟

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock