;
ترجمات

بيتر هونام: كيف أفلتُّ من براثن الموساد‏؟

بيتر هونام* – (الديلي تلغراف) 20/2/2010
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

‏إذا كان عملاء جهاز “الموساد” الإسرائيلي هم الذين يقفون وراء مقتل القائد العسكري لمنظمة “حماس”، محمود المبحوح، في فندق في دبي، (كانون الثاني/ يناير 2010)، فإن ذلك لا ينبغي أن يفاجئ أحدًا بالنظر إلى تاريخ منظمتهم العنيف.‏
‏في الثمانينيات، عندما كنت أعمل في صحيفة الـ”صنداي تايمز”، كنت قد تعقبت فنيّاً إسرائيليًا يدعى موردخاي فعنونو كان موجوداً في أستراليا، الذي ذهب إلى الكشف عن أعمق أسرار مركز الأسلحة النووية الإسرائيلي السري للغاية في ديمونا في صحراء النقب.

وكان قد عمل هناك، وتمكن من تهريب صور فوتوغرافية لمرفق فصل البلوتونيوم وآلات صنع القنابل النووية.‏

وقد استجوبته مطولاً في سيدني ثم أحضرته إلى لندن ليقوم باستجوابه خبراء. وكان فعنونو يدرك أنه يمكن أن يكون هدفًا لعملاء الموساد، ولذلك قبِل بالاحتياطات الأمنية المشددة، لكن صبره نفد لاحقًا.‏ ‏

وبينما كان يتجول وحده حول ميدان ليستر في لندن، التقى بسائحة أميركية شقراء جذابة تُدعى سيندي.

تناولا القهوة، ورتبا للذهاب إلى السينما. كان فانونو قد دخل بغباء مصيدة عسل كلاسيكية للموساد.

ولم يقل لي أي شيء عن علاقته الغرامية الخطيرة إلى أن أصبح الوقت متأخراً جداً.

وبعد أن سمعت عن سيندي ذات صباح يوم اثنين، حذرته بوضوح من أنها قد تكون عميلة لإسرائيل، لكنه تجاهل هذه الفكرة.

واقترحتُ أن ألتقي به هو وسيندي لتناول العشاء في ذلك المساء، لكنه ألغى اللقاء ثم اختفى. ولم تمض سوى بضعة أسابيع فقط حتى أعلنت إسرائيل أنها تحتجزه.‏
‏كان دافع موردخاي فعنونو هو فضح برنامج بلاده السري لأسلحة الدمار الشامل حتى يؤدي الضغط الدولي إلى إنهاء هذا البرنامج.

ومن المفجع أنه أصبح مسجوناً الآن في زنزانة في تل أبيب، ويواجه تهمتي الخيانة والتجسس اللتين حكم عليه بسببهما بالسجن لمدة 18 عامًا، أُخضع في الأعوام الأحد عشر الأولى منها للحبس الانفرادي.‏

بطبيعة الحال، فشل الموساد في هدفه المتمثل في وقف نشر قصة فعنونو -كنا قد أرسلناها إلى المطبعة في الأسبوع نفسه الذي اختفى فيه- لكن شاهدَنا النجم كان مفقودًا، وقد ركزتُ الآن على فضح الطرف المسؤول عن اختفائه.

كنا نشك في أنه لا بد أن يكون جهاز الموساد الشهير سيئ السمعة. وتذكرت رؤيتي شخصين في سيارة يراقبان منزلي في وقت مبكر من صباح أحد الأيام، وأدركت الآن أنها كانت عملية كبيرة.

ولكن، من كانت هذه السيندي الغامضة؟‏

بيتر هونام: هكذا نُشرت قصة البرنامج النووي الإسرائيلي

استغرق الأمر ما يقرب من عام لتعقبها، وفضح هويتها -وفيما جلب لي راحة كبيرة، تدمير حياتها المهنية في التجسس.

وقد نجحنا لأن الموساد كان قد سلك الكثير من الطرق المختصرة، وكان فعنونو نفسه هو الذي أعطانا الدليل الحاسم.‏

أثناء مغادرته محكمة في القدس في شاحنة السجن ذات يوم، وبينما كان المصورون يقفون متفرجين، ضغط راحة يده، التي تحمل رسالة، على زجاج النافذة.

وكشفت الرسالة أنه كان قد ذهب إلى إيطاليا على متن رحلة معينة للخطوط الجوية البريطانية، وأن “اختطافه” حدث في روما.‏

أظهرت بطاقات صعوده إلى الطائرة أنه طار مع امرأة تدعى سيندي هانين، وهي على الأرجح سيندي هانين التي وجدناها تعيش في نهاية المطاف في أورلاندو، فلوريدا.

كان من المقرر أن تتزوج، ومن الواضح أنها لم تكن المشتبه المباشر، لكنها كانت يهودية، وكان لديّ حدس بأن الجاسوسة الحقيقية قد تكون على صلة عائلية بها.‏

وقاد تعقب الأثر إلى شيريل بنتوف، شقيقة زوج سيندي المستقبلي التي كانت قد غادرت أورلاندو في سن المراهقة، وانضمت إلى الجيش الإسرائيلي وكانت تعيش الآن في بلدة نتانيا الساحلية في شمال تل أبيب.

وأكدت الأدلة من فنادق لندن التي استخدمتها سيندي شكوكي، وطِرتُ إلى إسرائيل لمواجهتها.‏

سرعان ما اتضح لي أن العمل لصالح الموساد لم يكن طريقًا إلى جمع الثروة. كانت شيريل بنتوف وزوجها عوفر، اللذان يعملان أيضًا في الاستخبارات العسكرية، يعيشان في بيت متهدم في شارع بجانب الطريق السريع الرئيسي في حيفا، لكنه كان قريباً من مقر الموساد الجديد عند تقاطع ويست غليلوت على بعد بضعة أميال فقط إلى الجنوب.‏

عند بابها أعلنت أنني من صحيفة “صنداي تايمز” وسألت عما إذا كان بإمكاني الحصول على تصريح منها. كان هناك وميض من إدراك مصدوم في عيني بينتوف.

“إيه نعم. تفضل إلى الداخل”، أجابت بحذر، وقادت الطريق.‏
‏حدثتها بإيجاز عن كيف أثبتنا بشق الأنفس أنها هي الجاسوسة التي لعبت دورًا رئيسيًا في هندسة اختطاف فعنونو. اشتكت بانفعال من أنني كنت أسجل حوا على شريط تسجيل، وعندما أشرتُ إلى أنها لم تنكر مزاعمي، قفزت فجأة وركضت إلى الجهة الأخرى من الغرفة وهي تصرخ: “أنا أنكر ذلك. أنا أنكر كل شيء”.‏

تسنى لي الوقت فقط لالتقاط صورة لها بكاميرا كانت معلقة على رقبتي قبل أن تقفل على نفسها في غرفة النوم، رافضة كل المحاولات لإقناعها بالخروج.

وعندئذٍ غادرتُ، واتخذت ترتيبات فورية لإرسال صوري إلى لندن، وأعددتُ قصة حول ما حدث، ووقفت جانباً لأتفرج على رد الفعل.‏
‏كنت قد زرت إسرائيل مرات عدة قبل ذلك لكتابة الأخبار عن فعنونو من دون أي مشاكل، على الرغم من أنه كان من الواضح أنني كنت تحت المراقبة.

ومع الأخذ في الاعتبار أنني كنت متواطئًا في خيانة فعنونو المزعومة، فقد كان ذلك نوعاً من مفاجأة، لم تؤد مواجهتي مع شيريل بينتوف إلى سماع طرقات على بابي.

هي اختفت من البيت المتهالك في نتانيا وأنا عدتُ بأمان إلى لندن. أنا نشرت قصتي وهي أصبحت مشهورة؛ مشهورة لدرجة أنها لم تعد قادرة على مواصلة العمل كعميلة مرة أخرى. ‏

بعد سنوات لاحقاً، نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، وهي أكبر صحيفة إسرائيلية، عن صديقة مقربة من شيريل في فلوريدا حيث عادت، قولها: “لقد غادرت إسرائيل هربًا من وسائل الإعلام والناس الذين أصبحوا ينبشون في حياتها. لقد أزعجها هذا كثيراً”.

”كانت مرتعبة من الصحفيين الذين جاؤوا إلى منزلها وطرحوا عليها الأسئلة. شعرَت بالحاجة إلى الهرب. منذ هذه القصة، أصبحت شيريل تريد شيئًا واحدًا فقط: حياة طبيعية وهادئة”.

وقبل ثمانية عشر شهرًا ظهرت صورتها على شبكة الإنترنت وهي تبتسم إلى جانب زوجها، عوفر، في عطلة سيرًا على الأقدام في سلوفاكيا.‏

كانت قد مرت 17 عاما أخرى -في العام 2004، قبل أن أواجه أي مشاكل حقيقية، ربما لأنني اعتمدت على حظي مرات عدة. في إسرائيل، كانت الكراهية العلنية لفعنونو كبيرة لدرجة أن السلطات جعلته يقضي عقوبته في السجن كاملة.

وعند إطلاق سراحه في نيسان (أبريل) 2004، كانت مهمتي هي الحصول على أول مقابلة تلفزيونية وصحفية معه، ولكن قبل أجراء المقابلة بقليل تم منعه من التحدث إلى الأجانب أو مغادرة البلد.

لكننا تمكنا من الالتفاف حول الحظر باستخدام صحفي إسرائيلي ليتحدث إليه، بينما كنت أنا جالساً في الخلفية. وتم حجز نسخة من الفيلم في تلك الليلة، لكنّ نسخة ثانية منه وصلت إلى لندن.

وكان خلال تجوالي بالسيارة عبر تل أبيب ذات مساء بعد ذلك، حين نفد حظي.

تجاوزتني سيارة فجأة ووقفت في طريقي، وتوقفت سيارات أخرى بجانبي وخلفي، وقاموا بسحبي إلى خارج السيارة.

وقال رجل يرتدي قبعة الشرطة أنني قيد الاعتقال، وأنني ذاهب إلى القدس للاستجواب.

لكننا سوف نزور أولاً غرفتي في الفندق حيث سيجرون تفتيشاً. ‏

لحسن الحظ، في الطريق نحو طاولة الاستقبال في الفندق، تمكنت من التملص قليلاً وتحذير شخص أعرفه في مطعم قريب عن محنتي.

وبعد إعادة القبض علي، قاموا بتفتيش غرفتي وانتهى بي المطاف في سجن سري سيئ السمعة يستخدمه الموساد وجهاز المخابرات الداخلية، الـ”شين بيت”، للاستجواب.‏

كان من المقلق والمخيف معاً أنني كنت مقيدًا بالأصفاد، وكان قناع تزلج معتم مضغوطاً على رأسي، وكانوا يقودونني بشكل دوري، من زنزانة بلا نوافذ وملوثة بالبراز، إلى غرفة استجوابهم المضاءة بإضاءة قوية.

وأصبح من الواضح في نهاية المطاف أثناء محاولتهم استجوابي أنهم اعتقدوا أنني أخفيت بعض لقطات الفيلم الإضافية التي تكشف المزيد من أسرار فعنونو.

وكانت الحماقة في ذلك هي أن فعنونو لم تكن قد تبقت لديه أي أسرار نووية.

حاولوا إبقائي محبوسًا لمدة أربعة أيام، لكن الضغط الدولي والاهتمام الشديد من وسائل الإعلام الإسرائيلية أجبراهم على إطلاق سراحي، بعد 24 ساعة، مهزوزاً ولكن من دون أن أصاب بأذى.‏

وأظهرت لي هذه التجارب أشياء عدة. أولاً، أن أجهزة الأمن الإسرائيلية ترتكب العديد من الأخطاء، مثل إعطاء بنتوف هوية سمحت لنا بالعثور عليها، أو اتهامي بحمق بتهمة التجسس المشدد.‏

ثانيًا، أنهم لا يولون اهتماماً كبيراً لأخطائهم لأن إسرائيل لا تخضع للمساءلة مطلقاً. وحتى بعد ما كشفه فعنونو، لم يواجه البلد مشكلة تذكر في الحفاظ على ترسانته النووية والاستمرار في مراكمتها.‏

ثالثًا، أن تكتيكات هذه الأجهزة المتهورة كثيرًا ما تؤدي إلى نتائج عكسية. كان اختطاف فعنونو هو الذي جذب الانتباه أكثر ما يكون إلى ما كشف عنه.

وكانت الوحشية التي عومل بها منذ إطلاق سراحه هي التي دفعت الكثيرين إلى النظر إلى إسرائيل على أنها دولة ضلت طريقها منذ تأسيسها.‏

ربما يكون من المدهش أنني أحب إسرائيل ولدي العديد من الأصدقاء هناك، بمن فيهم موردخاي فعنونو. لكنني، للأسف، لا أستطيع العودة إلى هناك.

تم حظر دخولي بعد اعتقالي الأخير هناك -بناء على أوامر من الموساد.‏

‏*بيتر هونام‏‏ Peter Hounam: كبير الصحفيين الاستقصائيين السابق في صحيفة “صنداي تايمز”، وكاتب عمود في صحيفة “ديلي ميرور”، ومقدم برنامج Despatches على القناة 4، وبرنامج “بانوراما” عن الصحافة الاقتصادية في هيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي. سي). كصحفي مستقل، كتب بيتر العديد من الكتب، وفضح الفساد والخدع ذات الأهمية العالمية.‏ حقق بيتر في حوادث القتل والفساد في بلدان عديدة مختلفة.

وكمسؤول عن عمود “إنسايت” في صحيفة “صنداي تايمز”، نشر قصة موردخاي فعنونو، الذي فضح البرنامج النووي الإسرائيلي.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: How I Escaped Mossad’s Clutches

 اقرأ المزيد في ترجمات

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock