أفكار ومواقف

بيرزيت.. كيف تزهر الانتخابات؟

قال عميد شؤون طلبة جامعة بيرزيت، الفلسطينية، في إعلان نتائج انتخابات الجامعة الطلابية لهذا العام، الأربعاء الفائت، “أزهرت حدوث تعادل في عدد المقاعد بين كتلة الشهيد ياسر عرفات، وكتلة الوفاء الإسلامية، لكن عدد الأصوات يشير إلى تفوق كتلة الشهيد ياسر عرفات”. بغض النظر عن نتائج الانتخابات، التي أسفرت عن تفوق كتلة حركة “فتح” بـ 68 صوتا، (4065) صوتا مقابل (3997) لكتلة حماس)، ولكن هذا أعطى لكل منهما 23 مقعدا، بموجب نظام الانتخابات، فيما فازت كتلة القطب الديمقراطي (القريبة من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، بخمسة مقاعد، ولم تصل باقي الكتل نسبة الحسم. بغض النظر عن كل هذا، فإنّ مجريات الانتخابات تستحق التوقف لأسباب أخرى، تبرر استخدام العميد، لفظة “أزهرت”.
لا بد من توضيح أني أدرّس العلوم السياسية في ذات الجامعة، لكنني لا أعرف ولا أتابع تفاصيل الانتخابات، فهي شأن طُلابي، وغالبا لا أعلم اتجاهات طلابي وطالباتي، إلا قرب موعد الانتخابات، عندما يبدؤون بتمييز أنفسهم بشعارات وألوان وملابس كتلهم، ويبدؤون بالاعتذار عن حضور المحاضرات لأن لديهم مهرجانا انتخابيا أو ما شابه. وغالبا أنسى هذه الانتماءات، لاحقاً، كما ينسونها داخل المحاضرات. وهذا “النسيان” بحد ذاته من علامات قوة العملية.
ثانيا، لا يعرف كثير من المراقبين، كيف تدار العملية الانتخابية في بيرزيت، فيلجؤون إلى تحليلات تتعلق بما يعرفونه من أعراف الانتخابات، فمثلا بمجرد إعلان النتائج تبدأ تكهنات أن “القطب” قد يتحالف مع إحدى الكتلتين، لتشكيل المجلس، وهذا طبيعي في الانتخابات في كل مكان، ولكن ما لا يعرفه كثيرون، أن الطلبة، دون تدخل من أحد وقّعوا بينهم منذ سنوات “ميثاق شرف” يقرر أنّه لا أحد يشكل المجلس وحده، حتى لو حصل على أغلبية المقاعد، وأقروا ما يعرف في السياسة باسم “الديمقراطية التوافقية”، أي أنّ نتائج الانتخابات تحدد الوزن النسبي للكتل، ولكن الكل يشارك في تشكيل المجلس ولجانه، بنسبة أصواته، حتى لو كان ممكنا لكتلة أو أكثر ضمان أغلبية تُخرج الآخرين.
أمر آخر، من أعراف بيرزيت، أن أي كتلة طلابية حتى لو لم تجتز نسبة الحسم، تستطيع القيام بنشاطات باسمها، من معارض، واحتفالات، و…إلخ، وتشترك في النقاش العام، أما المجلس فيقرر القضايا الاستراتيجية، مثل قضايا الخلاف مع إدارة الجامعة، أو في القضايا العامة الوطنية التي تحتاج لقرارات باسم الطلبة. وهذه الحرية تجعل الجميع مشترك في المشهد الجامعي، والمجتمعي، والديمقراطي، ولا يشعر أنه مستثنى.
لا أعرف هل يأتي “الإزهار” الذي تحدث عنه عميد شؤون الطلبة من مشهد المناظرة الانتخابية ويرفع فيها الطلبة بكثافة، الأعلام الصفراء والحمراء والخضراء، كما يجري كل عام، ولكن الجديد هذا العام أنّ المناظرة، عقدت في ملعب كرة القدم في الجامعة، بحضور آلاف الطلاب، الذين ملؤوا أرض الملعب ومدرجاته، فيما المناظرة على أحد المدرجات. وتثير المناظرة كل عام استياء الكثيرين وقلقهم، لأنّ الطلاب أولا يكسّرون كل قواعد اللغة، ثم يتحمسون في حديثهم حتى تصبح طريقة حديثهم مستفزة وغريبة وربما “مزعجة”. ولكن المناظرة تجري وتنتهي بسلام، وهي مشهد فريد في العالم العربي. من جديد المناظرة؛ أنّ مدرجات الملعب موّلها مؤخرا شخص فلسطيني بمبلغ ضخم نسبيا، تماماً كما غالبية مباني ومرافق الجامعة، فالفلسطينيون داخل وخارج فلسطين، من العالم العربي وأميركا اللاتينية، والعالم، يبنون هذه الجامعة، دون أن يلغي هذا أنها تعيش أزمة مالية مزمنة، فالجميع تقريبا يستثمر في الأصول الثابتة ولا يمول التكاليف الجارية.
تعود جذور الجامعة، إلى العام 1924، عندما تأسست مدرسة بنات صغيرة في بلدة بيرزيت، قادتها المربية نبيهة ناصر، ثم كبرت إلى مدرسة ثانوية داخلية، ثم كلية جامعية، ثم جامعة في 1972، لتبعد سلطات الاحتلال رئيس الجامعة حينها، حنا ناصر، خارج فلسطين العام 1974 حتى 1993. أسهمت الجامعة بطلبتها وموظفيها حُرّاسا وأساتذة بقيادة النضال الوطني الفلسطيني. والجامعة والإغلاقات التي فرضها الاحتلال عليها، وعددها 15، والحواجز التي كان يضعها في الطريق، وتحدي كل ذلك جزء من ذاكرة الصمود، وكما قالت طالبة مقدسية سابقة، “أدّت الحواجز العسكرية أن نضطر يومياً لرحلة عبر القرى والوديان والتلال، وسرعان ما تحول جمال الطبيعة فيها جزءا من ذاكرتنا”.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock