;
ترجمات

بينما تنغمس واشنطن في النقاش، إيران تواصل تقدمها النووي

سايمون هندرسون* – (ذا هيل) 15/10/2021

في الوقت الذي يبدو فيه أن النقاش لا يتوقف في الأوساط السياسية في واشنطن حول نوايا إيران النووية ومستوى خبرتها، تواصل طهران أنشطتها بلا استكانة.
في 10 تشرين الأول (أكتوبر)، أعلن محمد إسلامي، الرئيس المعيّن حديثاً لـ”منظمة الطاقة الذرية الإيرانية”، أن بلاده أنتجت أكثر من 120 كيلوغراماً من اليوارنيوم المخصب بنسبة 20 في المائة، وهي زيادة كبيرة عن كل من الكمية البالغة 84 كيلوغراماً التي أعلنت عنها “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” ومقرها في فيينا، التي تراقب الأنشطة النووية الإيرانية، وعن الكمية التي أعلنتها “الوكالة الدولية” قبل ثلاثة أشهر والبالغة 63 كيلوغراماً.
وبرر إسلامي الكمية بالقول؛ إنها مستوى الإنتاج الذي طالب به البرلمان الإيراني في قانون تم إقراره العام الماضي، وقال: “نحن متقدمون عن الموعد المحدد”.
لكن التفاصيل البسيطة -بل المخفية- التي مرّ عليها التقرير مرور الكرام هي أن مثل هذا المستوى من الإنتاج يقترب سريعاً من عتبة الـ200 كغم. وتُعد هذه الكمية من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المائة، وفقاً للرمز القديم للأسلحة النووية، “كمية كبيرة” عند تخصيبها بنسبة 90 في المائة. (“الكمية الكبيرة” هي الكمية المطلوبة لإنتاج قنبلة ذرية واحدة).
وما يربك المطلعين من غير العلماء هو أن هذه الكميات تتألف فعلياً من سداسي فلوريد اليورانيوم، الذي عندما يتعرض للحرارة يصبح غازاً، وهو بمثابة مادة أولية لأجهزة الطرد المركزي عالية السرعة التي تفصل النظير الانشطاري لليورانيوم الطبيعي، اليورانيوم-235، مما يزيد نسبته عن مستوى 0.7 في المائة الموجودة في اليورانيوم الطبيعي. ولذلك، إذا تم البحث في “غوغل” عن “كمية كبيرة من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 بالمائة”، فبالإمكان إيجاد الكمية 155 كغم – وهي بعد إزالة ذرات الفلور من 200 كغم.
لبضع سنوات، كان التخصيب بنسبة 20 في المائة يشكّل رقماً مهماً تسعى إيران إلى بلوغه. (وفي الواقع، كان الرقم الرسمي للتخصيب هو 19.75 في المائة لأن 20 في المائة هو المستوى الذي يُصنف عنده اليورانيوم المخصب على أنه “يورانيوم عالي التخصيب”). وبرغم أنه من الضروري تخصيب اليورانيوم إلى نسبة 90 في المائة من “اليورانيوم-235” لصنع قنبلة، إلّا أنه من الناحية النظرية تُعتبر نسبة 20 في المائة المستوى الذي يسمح بإحداث انفجار نووي. وقد جربته الولايات المتحدة مرة واحدة، ونجحت في ذلك. ولكن هذا العام، حتى قبل الأخبار الأخيرة، قامت إيران بتخصيب ما يصل إلى 60 في المائة. وفي هذه المرحلة، يصبح العمل الضروري (أي “الجهد”) لبلوغ نسبة 90 في المائة قليلاً نسبياً من خلال أجهزة الطرد المركزي الدوارة التي تفصل نظائر اليورانيوم الغازية. ويتم قياس الوقت المستغرق للوصول إلى هذا المستوى في غضون أسابيع فقط.
وبموجب الاتفاق النووي الإيراني للعام 2015 والمعروف باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة”، ليس من المفترض أن تقوم إيران بالبحث عن معدن اليورانيوم أو إنتاجه، إلا بشروط محدودة للغاية ومتفق عليها، ويُحظر عليها تخصيب اليورانيوم إلى نسبة 20 في المائة حتى العام 2030.
وهناك أخبار أخرى، ما تزال غير معلنة، والتي تثير القلق أيضاً. فبشكل أساسي، يحتاج التخصيب باستخدام أجهزة الطرد المركزي إلى صبر كبير. فمئات الآلات تعمل باستمرار ومن دون توقف لأشهر متتالية، مما يزيد تدريجياً من كمية “اليورانيوم-235” في المزيج. ويتمحور الجزء الأكبر من العمل حول زيادة كمية “اليوارنيوم-235” الموجودة في اليورانيوم الطبيعي من 0.7 في المائة إلى 5 في المائة فقط. وتُعرف الآلات التي تستخدمها إيران في هذه المرحلة الأولى من التخصيب باسم أجهزة الطرد المركزي من الجيل الأول “آي-آر-1″، وهي نسخة إيرانية من أجهزة الطرد المركزي الباكستانية “P-1″، والتي حصلت عليها عن طريق العالم النووي د. عبد القدير خان، الذي توفي في 10 تشرين الأول (أكتوبر) من مرض كورونا المستجد (“كوفيد- 19”). ويبلغ تصنيف جهاز الطرد المركزي “P-1” حوالي 1.1 أو 1.2 “وحدة فصل”.
وتمكنت إيران مؤخراً من تحسين أجهزة “آي-آر-1” التي تستخدمها إلى نحو 1.5 “وحدة فصل”. وتبدو الزيادة صغيرة ولكنها بنسبة 25 في المائة – وهي تعزز بشكل ملحوظ قدرة إيران على التخصيب. وتمتلك إيران عدداً من أجهزة “آي-آر-1” أكثر من أي نوع آخر من أجهزة الطرد المركزي. وما تزال “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” تحاول المعرفة على وجه الدقة ما هو التعديل الذي أجرته إيران.
وتضمَّن تقرير “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” الصادر في أيلول (سبتمبر) فقرات غامضة حول تحويل إيران بعض اليورانيوم إلى لوحات وقود سيليسيدات اليورانيوم لاستخدامها المحتمل في مفاعل للأبحاث. وقد أغفل النقاش الذي أثارته حول إمكانية نجاح لوحات الوقود نقطة مهمة: من أجل الوصول إلى شكل السيليسيدات، يجب تحويل اليورانيوم إلى شكل معدني. وهذا يُعتبر “خطاً أحمر” للبلدان القلقة من طموحات إيران النووية، لأن تحويل اليورانيوم إلى معدن يمنحها الخبرة في الفنّ الصعب المتمثل في تحويله إلى أنصاف كرة بحجم فاكهة الكريب الضرورية لصنع سلاح فعلي. وتملك إيران المعرفة للقيام بذلك -فقبل سنوات تم تزويدها بوثيقة تضم 15 صفحة من التفاصيل من باكستان- لكنها تنفي وضعها موضع التنفيذ.
ويتمثل مصدر قلق آخر بشأن الشكل المعدني في الدليل الذي تملكه “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” حول أعمال جرت على قرص يورانيوم دائري يحوي على ثقب، وهو ما تحجم إيران حتى عن الاعتراف به. وثمة شكوك بأن القرص، الذي يتردد أن عرضه يبلغ بضع بوصات، يتصل بتجارب على “المُطلق” لصنع سلاح نووي. ويتلخص شرح المُطلق في جملة واحدة مفادها أن القنبلة الذرية هي سلسلة تفاعلات خارجة عن السيطرة تتحقق من خلال اصطدام نيوترون بذرة “اليورانيوم-235″، مما يتسبب بانشطارها، وسط إطلاق طاقة والمزيد من النيوترونات. وعلى أرض الواقع، تنتج سلسلة التفاعلات عن ضغط سريع جداً لليورانيوم، يتحقق من خلال متفجرات تقليدية، حيث يتمّ ضخّ سيل من النيوترونات من المُطلق في وقت حاسم ومحدد.
ويُعتقد أن تصميم القنبلة الإيرانية هو اقتباس للتصميم الذي منحته الصين لباكستان، حيث يتواجد المُطلق المولّد للنيوترونات في فجوة صغيرة لا يتجاوز عرضها بوصة واحدة بين نصفيْ كرة اليورانيوم عالي التخصيب.
وفي باكستان، عندما اختبر الدكتور خان المُطلق في العام 1984 -في “اختبار بارد” باستخدام “التنجستن” بدلاً من اليورانيوم- لم يتمكن هو وفريقه من تفسير البيانات التي جمعوها، ولذلك طلبوا المساعدة من الصينيين. وبعد شهر في بكين، أخبر خبراء صينيون خان أنه لو تم استخدام يورانيوم عالي التخصيب، لكان هناك انفجار نووي.
وعلى الرغم من وفاة خان، ما يزال دوره مهماً. ففي أكثر من 40 عاماً من مذكراته، والتي قدمها في نسخ إلكترونية لكاتب هذه السطور، ادّعى أن تعاونه مع طهران كان مسموحاً به وشجعته القيادة السياسية الباكستانية في ذلك الوقت وكبار الضباط العسكريين. وفي هذا الصدد، أفادت جماعة معارضة إيرانية أن الرئيس الجديد لـ”منظمة الطاقة الذرية الإيرانية”، إسلامي، وهو مهندس غير عسكري كان حلقة وصل رئيسية مع خان في التسعينيات. وفي يوميات خان عدة إشارات إلى “المهندس”. وقد سألتُ خان ذات مرة عن هوية هذا الشخص، لكنه لم يقدم لي إجابة مناسبة. ربما كان إسلاميا.

  • “زميل بيكر” ومدير “برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة” في معهد واشنطن.
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock