ترجمات

بينما يبدأ العراق بالعثور على السلام، فإنه يصبح مرة أخرى ساحة المعركة لحرب أميركية بالوكالة

باتريك كوبيرن* – (الإندبندنت) 30/9/2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تمتلئ بغداد اليوم بالمطاعم والمحلات التجارية الجديدة، وتظل شوارعها مكتظة بالناس حتى وقت متأخر من الليل. لكن العديد من العراقيين يتساءلون إلى متى سيستمر هذا الوضع، إذا تصاعدت المواجهة الأميركية الإيرانية إلى حرب حقيقية.

  • * *
    يخشى الناس في بغداد من أن الحرب القادمة بين الولايات المتحدة وإيران ستقع في العراق الذي شرع تواً فقط في العودة إلى السلام بعد هزيمة “داعش”. وزاد الخوف من امتصاص العراق إلى مثل هذا الصراع بسبب الهجمات الإسرائيلية الأخيرة بطائرات من دون طيار على قواعد المجموعة شبه العسكرية العراقية المعروفة باسم “الحشد الشعبي”، والتي تتهمها الولايات المتحدة وإسرائيل بالعمل كوكيل لإيران.
    في حديث خاص مع “الإندبندنت” في بغداد، قال أبو آلاء الولائي، زعيم “كتائب سيد الشهداء”، وهي حركة شيعية مسلحة شبه عسكرية لها صلات بإيران: “التطور الجديد هو أن إسرائيل دخلت الصراع في العراق”. وقال إن ثلاث طائرات إسرائيلية هاجمت إحدى قواعده في العاصمة العراقية، والتي تسمى “الصقر”، في 12 آب (أغسطس)، مما أدى إلى انفجار 50 طناً من الأسلحة. ويؤكد الإسرائيليون أنهم نفذوا تلك الغارة التي سبقتها عدة هجمات أخرى، زاعمين أنهم ضربوا صواريخ إيرانية كانت في طريقها إلى سورية ولبنان.
    لكن احتمال تورط الولايات المتحدة في العمل الإسرائيلي هو الذي يمكن أن يثير أزمة سياسية في العراق. ويقول أبو آلاء إن تقريراً للحكومة العراقية لم ينشر عن الهجوم يكشف أن الطائرات الإسرائيلية من دون طيار أُطلقت من قاعدة أميركية تدعى “كساد” في شمال شرق سورية الذي يسيطر عليه الأكراد. ويقول: “رصد رادار عراقي طائرة واحدة من أصل ثلاث طائرات من دون طيار كانت تسير بسرعة 140 كم قبل الهجوم وأثناءه وبعده”.
    تتسم السياسة الأميركية في الشرق الأوسط بأنها غير متساوقة ومتناقضة في عهد الرئيس ترامب، لكن السماح لإسرائيل بشن هجمات من قاعدة أميركية ضد قوات “الحشد” تبدو أشبه بالتدمير الذاتي من منظور أميركي. وقد أدى ذلك فعلياً إلى طرح مشروع قانون يجري تمريره عبر البرلمان العراقي، والذي يطالب بانسحاب القوات الأميركية من البلاد.
    رداً على سؤال حول ما إذا كانت قوات “كتائب سيد الشهداء” ستهاجم القوات الأميركية إذا اندلعت حرب بين الولايات المتحدة وإيران، أجاب أبو آلاء: “بالتأكيد، نعم”. وأعرب عن حماسه لحرب الطائرات من دون طيار، وقال إن الهجوم الناجح بالطائرات من دون طيار على منشآت النفط السعودية في 14 أيلول (سبتمبر) يجعل ساحات القتال أكثر مساواة بالنسبة للمجموعات مثل جماعته. وأضاف: “إننا نعمل ليلاً ونهاراً لتطوير طائرات من دون طيار من النوع الذي يمكن تجميعه في غرفة معيشة”.
    على الأغلب، لن تتمتع هجمات الطائرات من دون طيار على القواعد الأميركية في العراق بنفس عنصر المفاجأة مثلما حدث في الهجوم على منشآت نفط بقيق وخريص في المملكة العربية السعودية، لكن هذه القواعد ستكون بالتأكيد عرضة للخطر. وهي، في كثير من النواحي، لا تضيف إلى القوة الأميركية في العراق، لكنها قد تصبح بمثابة “رهائن” أميركيين في العراق في حالة نشوب صراع بين إيران والولايات المتحدة.
    يشكل مستقبل قوات “الحشد الشعبي”، كدولة متأثرة بنفوذ إيران داخل الدولة القضية الحاسمة في الصراع على النفوذ بين إيران والولايات المتحدة. وتضغط واشنطن من أجل تقليص دور “الحشد” أو حتى القضاء عليها، لكن من المرجح أن تكون هذه الجهود غير فعالة -بل وتأتي بنتائج عكسية.
    تظل قوات “الحشد” منظمة سياسية بقدر ما هي عسكرية، كما أنها راسخة في العراق لدرجة أنه لا يوجد الكثير الذي تستطيع الولايات المتحدة فعله للتقليل من نفوذها. وقد حقق ممثلوها البرلمانيون أداءً جيداً في الانتخابات العامة الأخيرة في العام 2018، ودعمها ضروري لأي حكومة عراقية مستقرة.
    سبق أن أثبت نمط مماثل في العراق عدم صلاحيته منذ الغزو الأميركي في العام 2003. فقد أرادت الولايات المتحدة التخلص من صدام حسين -ولو مع عدم إفادة إيران. لكن سقوط نظام صدام العربي السني تبعته حتماً ثورة سياسية حلت فيها محله الأغلبية الشيعية -والأكراد بدرجة أقل. ومهما حاولوا، لم يستطع الدبلوماسيون والجنرالات الأميركيون تجنب التعاون -سراً في كثير من الأحيان- مع إيران.
    لم يتغير الكثير حقاً في السنوات التي تلت ذلك. وبينما تتمتع الأغلبية الشيعية الحاكمة بهوية وطنية عراقية، فإنها تقابلها، وكثيراً ما تتغلب عليها، هوية شيعية قوية. وبالنظر إلى أن العراق وإيران من بين الدول القليلة التي يقودها الشيعة في العالم، فمن غير المستغرب أن يشعر البلدان بأن هناك الكثير من القواسم المشتركة بينهما. وقد شهد عراق ما بعد صدام أول حكومة عربية شيعية تتولى السلطة في المنطقة منذ أطاح صلاح الدين بالفاطميين في مصر في القرن الثاني عشر. ويقول ضياء الأسدي، وهو شخصية بارزة في الحركة الدينية الشعبية للزعيم الشيعي مقتدى الصدر: “من الناحية الدينية، تمنح إيران العراق عمقاً استراتيجياً”.
    ارتكب الرئيس ترامب والإدارات الأميركية السابقة مراراً وتكراراً خطأ التنديد بحزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، و”الحشد” في العراق باعتبارهم وكلاء لإيران ببساطة. وهذا خطأ لأن هذه الحركات شبه العسكرية القوية متجذرة في المقام الأول في المجتمعات الشيعية المحلية. ربما تكون إيران قد رعت هذه الجماعات وساندتها، لكنها لا تملك زمام القيادة والسيطرة عليها.
    وثمة سبب آخر يجعل من غير المرجح أن تصل محاولة السيد ترامب دحر النفوذ الإيراني إلى أي مكان، هو أن حلفاء إيران شبه العسكريين قد انتصروا، أو على الأقل اعتقدوا بانتصارهم، في الحروب في لبنان وسورية والعراق واليمن خلال العقدين الأخيرين. ويشعر الكثير من العراقيين بالاستياء من هذا التشرذم في السلطة، ويشتكون من أن “الحشد قوي وحكومتنا ضعيفة” -ولكن ليس هناك الكثير الذي يمكنهم فعله حيال ذلك. وتتمتع إيران بالبراعة اللازمة للعب ألعاب الشطرنج السياسية العراقية، وتعمل كوسيط بين مختلف الفصائل ومراكز القوة هناك.
    ليست الولايات المتحدة قوية بما فيه الكفاية للإطاحة بقوات الحشد الشعبي في العراق، لكن هذا لا يعني أنها لن تحاول. ويجب أن تعلم الولايات المتحدة أن إسرائيل كانت تطلق الطائرات من دون طيار على العراق لأنها تسيطر على المجال الجوي العراقي، لكن استخدام إسرائيل كوكيل لها في العراق يظل لعبة محفوفة بالمخاطر.
    لقد تمتع العراق بسلام نسبي منذ عامين بعد هزيمة “داعش”، مع استعادة الموصل في العام 2017. وقد اختفت من بغداد إلى حد كبير المئات من نقاط التفتيش الأمنية والجدران الخرسانية المضادة للقنابل. وتمتلئ المدينة اليوم بالمطاعم والمحلات التجارية الجديدة، والشوارع تبقى مكتظة بالناس حتى وقت متأخر من الليل. لكن العديد من العراقيين يتساءلون إلى متى سيستمر هذا الوضع في حال تصاعدت المواجهة الأميركية الإيرانية إلى حرب حقيقية. ويقول أحد موظفي الخدمة المدنية: “الكثير من أصدقائي يشعرون بالقلق الشديد إزاء الحرب الأميركية الإيرانية، لدرجة أنهم يستخدمون تعويضات ترك الخدمة الحكومية لشراء المنازل في تركيا”.
    وهناك أسباب وجيهة تدعوهم إلى القلق في الحقيقة: فقد تضرر النفوذ الأميركي والسعودي في الشرق الأوسط جراء الهجمات التي تستلهم إيران -تتمثل طريقة العمل الإيرانية عادةً في العمل من خلال آخرين- على ناقلات النفط في الخليج، وطائرة أميركية من دون طيار كانت تطير على ارتفاع عالٍ، وصناعة النفط السعودية. وحتى الآن، لم يصل ترامب إلى قناعة بأن الرد على هذه الهجمات سيكون من مصلحة الولايات المتحدة، لكنه لا يستطيع احتواء هذا النوع من الردود العقابية إلى أجل غير مسمى من دون أن يبدو ضعيفاً.
    يشكل العراق واحداً من الأماكن حيث يمكن للولايات المتحدة وحلفائها محاولة الانتقام، ومن المرجح أن يكون هدفهم الرئيسي هو “الحشد”. ويمكن أن يثير مثل هذا الانتقام بدوره هجمات تُشن على قواعد أميركية ستكون مكشوفة في عصر الطائرات من دون طيار. ويخشى العراقيون فكرة نشوب صراع عسكري آخر، لكنهم يخشون احتمال أن يكون هذا الصراع سائراً في اتجاههم هم على أي حال.

*مؤلف كتاب “صعود الدولة الإسلامية: داعش والثورة السنية الجديدة”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Just as Iraq Begins to Find Peace, It Once Again Becomes the Battleground for an American Proxy War

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock