أفكار ومواقف

بين إدارة الدولة وإدارة الأزمة

مهمة الحكومة، حسب نص المادة 45 من الدستور، هي “إدارة جميع شؤون الدولة الداخلية والخارجية”، وبهذا فإن مهمتها تتجاوز إدارة الأزمة -مهما كانت هذه الأزمة- إلى إدارة الدولة ككل، وهذا لا يتناقض مع أن الأزمة الحالية فرضت أولويتها، وقد أثبتت الدولة أنها تؤمن حقا أن الإنسان أغلى ما نملك؛ حيث مارست في إدارة الأزمة أعلى درجات المسؤولية.
الدول اختلفت في كيفية مواجهة كورونا، الصين مثلا أغلقت مدنا كاملة، بريطانيا انتقلت من سياسة الانفتاح إلى الإغلاق، سنغافورة والسويد اعتمدتا استمرار عجلة الاقتصاد مع إجراءات ضبط وسلامة عالية وعقوبات رادعة، وكل سياسة من هذه لها وعليها، فلا يوجد معادلةٌ دوليةٌ علميةٌ متفقٌ عليها لمواجهة هذا الوباء.
مهمتنا دولة وشعبا اليوم هي إعادة دوران عجلة الحياة والاقتصاد، بمواطن صحيح البدن، وهذه المهمة “الرؤية” تنهي الجدل حول الثنائية المزيفة في أيهما أهم حياة المواطن أم الاقتصاد؛ فكلاهما مهم، وكلاهما أولويةٌ، فإن أحدهما دون الآخر، وبال على المواطن والدولة.
إذا اتفقنا على هذه “الرؤية” يبقى كيف نحققها ومتى نبدأ بها؟، علما بأن سرعة إعادة الحياة والإنتاج بمواطن صحيح البدن ضرورةٌ ملحةٌ، إلا أن الحكومة -وهي الأقرب للواقع- هي الأقدر على تحديد الوقت المناسب، والذي نرجو أن يكون قريبا، ولهذا من المفيد أن نسهم جميعا أفرادا ومؤسسات في تقديم أفكار واقتراحات في هذا الصدد، وإن كان لي أن أبدأ أقول:
في قطاع الصحة، ومن دون إغفال لأهمية التبرع المادي، فإن أفضل تبرع يقدمه المواطن لوزارة الصحة، هو أن يلتزم بالتعليمات، وأن لا يكون رقما في عداد المصابين، وقد آن الأوان لاعتبار مخالطي أي مصاب ودوائره المحيطة تحت حظر منزلي بمراقبة الجيش، وقد يفيد أيضا أن نبدأ بحملة “كمامة البيت” حيث نصنع بمواد منزلية كمامات للأسرة، وإعداد مطهر منزلي قليل التكاليف من الخل والماء.
في قطاع التعليم، ليستمر التعليم عن بعد في المدارس والجامعات، مع تخصيص حصة أو مساق إجباري متدرج، لكل المستويات حتى الجامعة حول أهمية التباعد ووسائل الوقاية، ودعوة المختصين لوضع التعليمات في أغان وأناشيد ومشاهد تمثيلية لنشر ثقافة التباعد والنظافة بين الطلاب.
اجتماعيا ونفسيا يجب إشاعة الأمل بدل الوجل “الخوف”، فالخوف أخطر مساعد لانتشار الفيروس، كما يجب تطبيق عقوبات أمر الدفاع المتعلق بمنع التجمعات الاجتماعية، وأيضا وضع عقوبات رادعة على “الفيروسات البشرية” التي تنشر الإشاعات من دون المس بحرية الرأي ونقد وانتقاد الحكومة موضوعيا.
اقتصاديا؛ ضرورة العمل على اقتسام المخاطر والأضرار، على أن نحرص على أن نجنب رقيقي الحال منا دفع الثمن الأعلى، وذلك من باب التكافل الاجتماعي لمواجهة الأزمة، فإن المحافظة على رواتب الموظفين تستوجب الحفاظ على الشركات والمؤسسات، والعكس بالعكس، ولهذا يجب أن تصرف رواتب الموظفين وعمال المياومة المتعطلين من ضمان التعطل المنصوص عليه في قانون الضمان الاجتماعي، ولنتذكر أن أموال ضمان التعطل تأتي من رواتب الموظفين، ولا مانع من إصدار أمر دفاع يسهل قانونيا هذا الأمر.
أيضا البنك المركزي يجب أن يكون أكثر حزما ووضوحا في تعليماته للبنوك بتخفيض الفوائد الدائنة والمدينة لأدنى حد ممكن، فمن المتوقع من البنوك أن تضحي بأرباحها لهذا العام، وأيضا تأجيل الأقساط على الشركات والمؤسسات الفردية والأفراد لمدة ستة أشهر، وعرض قرض موحد بفوائد قليلة على الشركات والمؤسسات الفردية، بما يساوي نفقاتها التشغيلية لمدة سبعة أشهر، وضرورة الإعلان عن ذلك بوضوح وحزم لتبدأ البنوك بتطبيقه.
إعادة تشغيل المصانع والمكاتب والمحلات التجارية ضمن تعليمات سلامة واضحة تفرض على المخالف عقوبات جزائية وغرامات تساوي كلفة علاج المصاب من تلك المصانع والشركات، وفي حالة التكرار غلقها.
هذا زمن إعادة صياغة سلوكنا حكومة ومجتمعا وأفرادا، ما نحن فيه أكثر من أن نترقب أن الحكومة قد فشلت أو نجحت، ما نحن فيه قصة حياة أو موت، ولا بديل لنا عن النصر، ولذا لابد من مراجعة الذات الفردية والجماعية، والتوقف عن لوم الناس وتنميطهم ووصمهم، فمهمتنا تقديم الحلول التي تضمن استمرار الحياة للجميع، وهو ما يقتضي أن نضحي جماعيا على حساب الأكثر حظا، وليس على حساب الأقل حظا، وحمى الله الأردن قيادة وشعبا، وحمى الإنسانية جمعاء، قول آمين جنابك!!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock