أفكار ومواقف

بين التعليم عن قرب والتعليم عن بعد (3-3)

قضينا شطراً من الوقت ونحن نتحدث بخصوص التعليم عن قرب والتعليم عن بعد، أيهما سيبقى وأيهما سيذهب. بينما يرى طرف ثالث أنهما سيندمجان معاً فلا يُلغي التعليم عن قرب، ولا يُستثنى التعليم عن بعد (هايبرد). أي أن المدرسة ستبقى، وأن الجامعة ستبقى، ولكنهما ستكونان مطرزتين بالتكنولوجيا، أي أن التعليم عن بعد سيدمج بالتعليم عن قرب وليس العكس.
قد لا يحل التعليم عن بعد محل التعليم عن قرب إلا إذا تمت تقنية الانسان نفسه، كما لو أنه أداة توصل بالتكنولوجيا لتعمل. وكما يبدو، فنحن نسير في هذا الاتجاه. ومن ذلك أننا نلبس النظارات، ونستخدم السماعات، ومنظمات القلب، وسيخ الحديد في الحوض أو في الساق، وإضافات تقنية بيولوجية طبية كثيرة. وقد يأتي زمان لا نكتفي فيه بمعرفة جنس الجنين، بل تحديده مسبقاً. وقد يتم تركيب (Chip) في دماغ الإنسان بمجرد ولادته تديره أو يُدار بها، فحينها قد يحل الذكاء الاصطناعي محل الذكاء البشري. وعندما نصل إلى هذه الحالة فقد لا تبقى للمدرسة والجامعة كما نعرفهما أي حاجة. ولكن ذلك قد لا يتم في أيامنا، وإنما في ايام أولادنا وأحفادنا، وقد لا يتم أبداً.
في حالة طرد التعليم عن بعد للتعليم عن قرب وإلى أن يصبح الإنسان أداة تقنية، قد يتم التعليم عن بعد في البيوت على شكل دروس خصوصية، وستجد قلة من المعلمين والمعلمات (القادرين) فرصة للعمل، بينما يُستغني عن الباقين. وربما لذلك تميل الحكومات إلى تغليب التعليم عن بعد على التعليم عن قرب لأنه أقل كلفة بكثير.
وإلى أن يصل المجتمع إلى إلغاء المدرسة والجامعة/ التعليم عن قرب، تبقى المدارس والجامعات لازمة، وإعداد المعلمين والمعلمات مطلوبا. لكن الجدل الدائر حول التعليمين يُشتت الانتباه عن ذلك، وعن بناء المدارس اللازمة للأطفال، مما قد يجبر الحكومات إلى اتباع الأسلوب الذي دعوت إليه، وهو تحويل المدرسة الواحدة إلى مدرستين يستخدم الأطفال في كل منهما المدرسة ثلاثة أيام طويلة يوماً بعد يوم.
وإذا افترضنا انه سيأتي اليوم الذي يطرد فيه التعليم عن بعد التعليم عن قرب – وهو بعيد جداً- فإن التكنولوجيا حينئذ ستعولم التعليم، أي ستقضي على محليته وقطريته. وقد تنشأ منظمة عالمية أو تتطور اليونسكو لتديره بمناهج عالمية مشتركة.
بالتعليم عن بعد لن يبقى معنى للفصول أو لسنوات دراسية، لأن الآلة / المعلم/ة والكهرباء ستحل محلّها ولن تُراعي الفروق الفردية. لكن لن يؤثر مجيء كورونا وما هو أشد خطراً منها على التعليم. سيستمر التعليم عن بعد. ولكنه قد يُلغي مواد مدرسية مهمة من البرنامج كالمسرح والرياضة والخطابة والإلقاء… بالتعليم عن بعد سيصبح الأطفال سمينين وكسولين بقضاء معظم النهار قاعدين، وسيستخدمون النظارات بدءاً من مرحلة البستان، وسينشأ للإنسان الْذَّنَب الذي فقده بعد مرور مئات السنين من الجلوس في التعلّم والعمل.
لعل الغش في الامتحانات والبحوث والتأليف بالتعليم عن بعد أي بالاحتيال أو بالانتحال… ستكون موضة التعليم والثقافة وحتى لو كانت الكاميرا موجودة فوق كل جهاز في اثناء الامتحان فإن مراقبة آلاف الممتحنين (بفتح الحاء)، في الوقت نفسه بحاجة إلى طاقة بشرية هائلة، وتوفيرها صعب إلى مستحيل. سيبقى صاحب العمل هو خط الدفاع الأخير (أو المصفاة الأخيرة) عن جودة التعليم. ولن يمر منها من لا يستطيع أن يثبت قدرته وكفاءته.
إن المستقبل التكنولوجي مفتوح على كل ما يخطر أو لا يخطر على البال، فحسب قانون الطاقة الانسانية للمرحوم أحمد حسين – مؤسس حزب الفتاة المصري- في كتابه الكبير عن «الطاقة الإنسانية»، فإن أي هدف إنساني × درجة ضرورته = وضوحه في الذهن × شدة التركيز عليه = تحقيقه في الخارج عند غياب الظروف المعاكسة. وبموجبه فإن كل ما يخطر على البال كان، أو كائن، أو سيكون. ومن ذلك أن البشرية قد تفاجأ يوما بالإنسان الهايبرد (البيولوجي التكنولوجي). كما قد تفاجأ باختراع طاقية الكترونية توضع على الرأس وتربط بآلة طابعة، وتطلب من المرء ألا ينبس ببنت شفة، فيما هي تقوم بتسجيل وطبع كل ما في دماغه من معلومات وصور وأشكال وأوهام وميول وأهداف.. وباللغة التي يفكر فيها.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock