أفكار ومواقف

بين التهريج والإسفاف والكوميديا

مستويات متدنية، ألفاظ سوقية دونية، أفكار تعيسة، تهريج بكل ما تحمله كلمة تهريج من معان وعبر، إسفاف لأدنى درجاته، تلك حالة أولئك الذين يظهرون لنا في كل يوم من ايام شهر رمضان الفضيل على بعض قنواتنا المحلية الفضائية وخاصة بعد الافطار، والمشكلة أن أولئك يظهرون لنا تحت يافطة انهم يقدمون لنا كوميديا!
بربكم أفيدونا، من قال لكم ان ما تقومون به يدخل في فن الكوميديا من قريب او بعيد؟، من اوهمكم انكم فنانون أصلا؟ من مكنكم من الجلوس امام اعيننا يوميا في رمضان؟ سامح الله من يريد ان يدفعنا لتشويه تفكيرنا وتعكير صفو رمضاننا، وتركنا نهجر قنواتنا المحلية للبحث عن بدائل اكثر فائدة ورقي.
قد يقول قائلكم ان لكم معجبين ومتابعين، وان (الجمهور عايز كده) بيد ان ذاك لا يمكنكم من فعل ما تفعلون، فالفرق بين ان تكون مؤثرا في (السوشال ميديا) وان تكون فنانا كوميديا هائلا، فالكوميديا فن ومدرسة وحضور، ومن يعتقد انه اذا خرج علينا بفيديو عبر (فيسبوك) يوما وحقق نسب مشاهدة عالية بات يمتلك الحق لطرح نفسه فنانا كوميديا غلطان، وعليه اعادة حساباته، وفي السياق بات لزاما على ادارة تلك القنوات وضع حد لما يجري وقراءة النصوص التي تقدم بشكل اكثر تركيزا، وتقديم افكار هادفة تهم المجتمع وتقدم رؤية، والاطلاع على ما يقدم على شاشات دول مجاورة ومستوى الفن الذي يقدم هناك.
شخصيا جربت ان أتابع قنوات عربية اخرى لقياس ما يقدم عندهم وعندنا بعد الافطار، القياس كان مرعبا ومؤلما في الوقت نفسه ، نحن للأسف نقدم حالات مشوهة وافكارا وكلاما دون فكرة، نحن بكل بساطة نكتفي بصور تتحرك حينا، او بأشخاص يشتمون وينتقدون ولا نعرف لماذا يفعلون ذلك، وكأن الكوميديا هكذا، أولئك لا يفرقون بين ان تكون مهرجا، وفنانا كوميديا، ولا يعرفون ان الفنان الكوميدي صاحب رسالة وهدف وغاية، اما المهرج قد نضحك عليه – ليس معه- مرة او اثنتين ولكن لا يمكننا الاستمرار في الضحك، وخاصة انه لا يعرف من موقف الكوميديا الا الشتم وتحقير الطرف الذي يقف امامه، وهذا ما يفعله بعض ممن نراهم يوميا في رمضان، فذاك يظهر علينا لشتم زوجته او ابنه او رب عمله او صديقه او جاره او من يمشي في الشارع، وكأن الشتم بات الطريقة الوحيدة للاضحاك، وآخر يخرج علينا بمستوى متدن وافكار ضحلة لا تخضع لتقييم او رؤية.
للأسف ما بتنا نشاهده خلال سنوات ماضية على شاشاتنا المحلية يدفع جيلا كاملا للضياع، فنحن نقف امام حالات اسفاف وتهريج غير مسبوقة، وهذا من شأنه تضييع جيل كامل لا يعرف ماذا يشاهد، وقد يعتقد مرغما انه فعلا يرى كوميديا، فنضيع ويضيع معنا اولادنا لأننا سمحنا لمن لا يحق لهم الظهور على الشاشات بالظهور، ومنحنا من لا يمتلك مفهوما حقيقيا للفن بالظهور امامنا.
على أولئك الذين يريدون منا الاقتناع بهم اعادة النظر بما يقدمون أن يرحموا شعورنا نحن الجالسين على موائد الافطار (يخفّون علينا من ثقالة دمهم) وسطحية طرحهم، وتدني مستوى حوارهم، فالفن ارقى بكثير مما يعقتدون او يقدمون، والكوميديا اجمل وانقى مما يريد اولئك ان يوهمونا به.
ترى من قال لأولئك الذين ابتلينا بهم في الشهر الفضيل انهم فنانون كوميديون ومضحكون؟ أولئك أدعوهم لإعادة قراءة فن المسرح والفنون بشكل جيد، ومعرفة معنى النص الكوميدي الذي شوه من قبلهم، أولئك للأسف لا يعرفون أن الفن بداية صناعة الوعي العام والمجتمعي، وأن الفن يهذب النفس ومن شأنه خلق اجيال واعية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock