أفكار ومواقف

بين “الرابع” ومشروع “الجرائم” والعبء الضريبي!

قرار مفاجئ، ومبهج بلا شك، صدر أمس عن الحكومة بسحب مشروع قانون الجرائم الالكترونية المعدل من مجلس النواب، لإعادة صياغته بما يراعي الانتقادات الواسعة للمشروع، وذلك بعد تمنع حكومي طويل بدعوى عدم “اللباقة السياسية” بسحب المشروع من “النواب”، رغم أن رئيس الوزراء د. عمر الرزاز كان يؤيد بتصريحاته كل التحفظات والانتقادات على المشروع!
ليس ضربا بالرمل القول بأن الحراك الأخير في الشارع وبمحيط الدوار الرابع، الذي رفع من ضمن شعاراته الرئيسية ضرورة سحب “الجرائم الالكترونية” من مطبخ التعديل، له الفضل الأساس بسحب المشروع اليوم، خاصة وأنه – أي الحراك- رفع شعارا يحظى بشبه إجماع في الشارع الأردني، والمشروع أسهم بزيادة الاحتقان ومستوى النقد الشعبي للحكومة ولمجلس النواب.
أن تأتي متأخرا خيرٌ من أن لا تأتي، ولا شك أن هذا القرار بسحب مشروع القانون أمر مهم وإيجابي، يسهم بتنفيس الاحتقان في الشارع الأردني، ومطلوب أن تتم إعادة صياغة المشروع بنزع كل الألغام التي وضعت به، وتقيد من حرية التعبير وتصادر حقا دستوريا للمواطن وتضرب المكتسبات التي تحققت لحرية الصحافة عبر العقدين الأخيرين، قبل أن يتم قضم الكثير من مساحاتها لاحقا.
الواضح أن المؤسسة الرسمية تحاول استيعاب حركة الاحتجاج التي انطلقت أخيرا في الشارع، وما تزال في بداياتها، وقبل – كما يبدو- أن تكبر كرة الثلج، وقد بدأت عملية الاستيعاب بتفكيك مطلب رئيسي بسحب مشروع “الجرائم الالكترونية”، لكن هذا المطلب أو الشعار ليس الوحيد، فمطلب الحراك الرئيسي له علاقة بتردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية للناس، واختير له شعار ضرورة إلغاء تعديلات قانون ضريبة الدخل الأخيرة، التي لقيت معارضة واسعة.
قد تبدو الاستجابة لمطلب إلغاء تعديلات “ضريبة الدخل” صعبة وغير واردة حاليا على أجندة المؤسسة الرسمية، ما يترك حكومة الدكتور الرزاز بمواجهة أزمة تراجع الثقة الشعبية بها بعد أن كانت حظيت بـ”دلال” شعبي لافت عند التشكيل وما بعده. وهذا الاحتقان الشعبي مرشح للتصاعد في مقبل الأيام مع تزايد الضغوط الاقتصادية والمعيشية على أغلب الطبقات الاجتماعية، وفي ظل المراوحة أيضا بذات المكان فيما يتعلق بالإصلاح السياسي.
الخيار المطروح أمام الحكومة، في ظل صعوبة إلغاء تعديلات “ضريبة الدخل”، هو عودتها إلى ما طرحته هي ذاتها، من ضرورة معالجة اختلال توزيع العبء الضريبي على المواطن، والذي تميل كفته لصالح الضرائب غير المباشرة، خاصة ضريبة المبيعات، التي يطال شرها وعبؤها كل الطبقات بفقيرها وغنيها، ما تسبب –بالتحليل النهائي- بجزء رئيسي من الأزمة المعيشية والاجتماعية الماثلة اليوم في البلاد.
معالجة وتقديم مقاربات حقيقية وشفافة لإصلاح سلة الضرائب، حيث تصل نسبة العبء الضريبي إلى الناتج المحلي الإجمالي في الأردن الى 26.5%، منها 17.3% نسبة الضرائب غير المباشرة، وهي نسبة مرتفعة جدا، وتثقل كاهل المواطن والاقتصاد الأردني.
التقاط الأنفاس محليا ووقف انحدار مؤشر الثقة الشعبية بالمؤسسة الرسمية الذي يقابل تزايد مؤشر الاحتقان الشعبي، يتطلب اليوم وقبل الغد برنامجا حكوميا واضحا وممنهجا زمنيا لإعادة توزيع العبء الضريبي، ووقف الاعتماد على الضرائب غير المباشرة كالمبيعات، وهو الأمر الأساسي الذي يمكن أن يحدث فرقا حقيقيا وملموسا على المستوى المعيشي للطبقات الفقيرة والمتوسطة وينزع من أوساطها الاحتقان المتصاعد.
فهل تفعلها الحكومة؟!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock