أفكار ومواقف

بين السماحة والطغيان

تحدثت في مقال سابق (22/ 8/ 2016) عن السماحة التي تجلت بأسمى معانيها في المغفور له الملك الحسين بن طلال، نحو خصومه والمتآمرين على حياته ونظامه؛ وكيف أنه كان يعفو عنهم ويستوعبهم ويجعلهم من أشد المخلصين له، وكيف أن تلك السماحة أنقذت الأردن من سفك الدماء وكوارث الانقلابات؛ وأنني لم أدرك معنى أو قيمة هذه السماحة مثل إدراكي لها الآن، أي في خضم صراع العنف والإبادة في عدد من البلدان العربية.
مقابل هذه السماحة، كان يوجد دكتاتورية/ طغيان عربيان فتاكان بالخصوم والمعارضين، حتى وإن كانوا أصدقاء أو زملاء في الانقلاب، ومشاركين فيه. كان يلجأ الفائز منهم بالسلطة إلى تصفيتهم على مراحل، لأنه يدرك في قرارة نفسه أنه اغتصبها وإياهم بالانقلاب، وأنها لذلك غير شرعية. ومن ثم، فإنه يخشى لجوء الأصدقاء أو الزملاء إلى الانقلاب بالمثل عليه. ولما كان هذا الهاجس مسيطراً، فإن الدكتاتور/ الطاغية يصبح شديد الحساسية ضد المعارضة، وإن كانت مجرد فكرة، أو رأي، أو اقتراح من الصديق أو الزميل، فلا يتحلى بالتسامح في التعامل معه، بل يصفيه إدارياً أو جسدياً. إن شهوة السلطة تتغلب على الصداقة والزمالة وتبرر العنف والدم، وأمثلة ذلك معروفة.
يعتقد الدكتاتور/ الطاغية أنه مكتفٍ ذاتياً، وأنه ليس بحاجة إلى أحد ليفكر له ويشير عليه. أما الراحل الحسين، فلم يكن عنده مثل هذا الشعور وهذه الحالة القلقة، لأنه كان يعرف أنه ملك، وأن حكمه يتمتع بالشرعية، فلا يفتك بالمعارضة، وإنما يستوعبها بالسماحة. كما كان يعرف أن الجسد زائل وأن الشعب باقٍ أو خالد. في المقابل، يعتقد الدكتاتور/ الطاغية بأنه خالد وأن الشعب زائل، بمعنى أنه مستعد لإبادته ليبقى.
يتصرف الانقلابيون/ الدكتاتوريون/ الطغاة كذلك لأنهم يخشون خسارة السلطة أو الحكم، فلا يجرون انتخابات نزيهة لأنهم يخشون أن يسقطوا. ولذلك، كانوا وظلوا ألد أعداء الديمقراطية. وإذا كان لذلك من معنى، فهو واضح بالكوارث التي أصابت بعض البلدان العربية نتيجة الانقلابات/ الدكتاتورية/ الطغيان التي نأكل ثمرها المُرّ اليوم. لم يتيسر للديمقراطية البازغة بعد الاستقلال فرصة للنمو والتطور.
لا أتهم جميع الانقلابيين/ الدكتاتوريين/ الطغاة بالخيانة، وإن كان بعضهم كذلك، فقد اعتقد معظمهم أنه بالاستيلاء على السلطة والتفرد بها يُسرعون تقدم البلاد. كانت تلك حجتهم ومبررهم. لم يدركوا أن الطريق الأقصر ليست الأسلم دائماً، وأنهم لو تركوا بلدانهم تنمو وتتطور ديمقراطياً لحققت أهدافها في التقدم وعلى نحو أسلم.
“إن الضرورة هي حيلة الطغاة وعقيدة العبيد” كما يقول وليم بت (1759–1806)، أصغر رئيس وزراء في بريطانيا في التاريخ (24 سنة)، وإن الدكتاتور/ الطاغية “ليس سوى عبد بالمقلوب”، كما يقول المفكر الإنجليزي هيربرت سبنسر (1826–1890).
إنهم يرفعون شعارات العدالة ويمارسون الاستبداد. ويعتقدون، ومعهم الجماهير وحتى كثير من أفراد النخبة، أن الدكتاتورية أكثر كفاءة من الديمقراطية في حكم الدول وتحقيق الطموحات الكبيرة. كانوا (الجماهير والنخبة) يؤمنون بمقولة أو خرافة المستبد العادل المتناقضة ذاتياً. كانوا بانتظار تحقيق المعجزات على يد الدكتاتور/ الطاغية وهم قاعدون.
ولتخليد حكمهم وتلميعه، يركز الدكتاتوريون/ الطغاة على التعليم والإعلام، ويحولانهما إلى أداتين لدعمهم؛ إن حرية التعبير والاختيار في نظر الدكتاتوريين/ الطغاة خطيئة قاتلة.
لقد حولت الدكتاتورية/ الطغيان شعوب هذه الأمة إلى “خراف في غابة من الذئاب، بحيث لا جدوى من إصدار الخراف قراراً بتبني الغذاء النباتي لأن للذئاب رأياً آخر مختلفاً”، كما يقول الروائي دين وليم إنج (1913-1975).
وأخيراً، وكما يقول الزوجان ويل ووليام ديورانت في تاريخهما العظيم “قصة الحضارة”: “إذا لم يستطع الناس الاتفاق على حكم أنفسهم بأنفسهم، فإن شخصاً ما سيحكمهم”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock