أفكار ومواقف

بين الصدام مع إسرائيل أو التكيف مع سياساتها

يقول رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي الأسبق افرايم هليفي أن اليمين الحاكم في إسرائيل “يحتقر” الأردن ويعتبر أن مكانتها الجيوسياسية تراجعت كثيرا. طبعا، لا يمكن إخفاء حقيقة أن هناك فجوة بين اليمين الإسرائيلي والأردن وهذا الأمر تاريخي وليس وليد اللحظة الاستراتيجية الراهنة. وافرايم هليفي هو من ساهم في حلّ الخلاف الأردني الإسرائيلي بعد محاولة الموساد الفاشلة في اغتيال خالد مشعل، فحينها لم يتمكن رئيس الموساد داني ياتوم من تحقيق أي اختراق مع الأردن لذلك لجأ نتنياهو إلى افرايم هليفي. اللافت أن افرايم هليفي يعتبر نفسه قريبا من الأردن على اعتبار أن استقرار الحكم في عمان يصب في صالح الرؤية الإسرائيلية التي تتبناها الدولة العميقة في تل أبيب.
قبل ثلاثة أيام كان الرئيس الفرنسي ماكرون يعبر عن استيائه من الأمن الإسرائيلي في الأماكن المقدسة ويلتقي بعد ذلك بوفد أوقاف تابع للأردن، وقد يفسر البعض هذا الموقف الفرنسي كدعم للأردن ضد كل من يحاول أن ينتقص من حقه في الوصاية على الأماكن المقدسة في القدس المحتلة. بمعنى أن الرئيس ماكرون يدعم موقف الأردن ضد اليمين الإسرائيلي ومنافسين إقليميين آخرين يرون في نتنياهو حليفا. قبل أشهر أيضا زارت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي عمان في زيارة خاطفة تشير إلى دعم الحزب الديمقراطي لموقف الأردن وبخاصة بعد المضايقات الأميركية التي مارسها جاريد كوشنر على عمان.
التصريحات المتكررة للملك عبدالله تشي بأن هناك صداما جذريا بين المقاربة الإسرائيلية اليمينية وبين الموقف الرسمي المعلن للمملكة الأردنية الهاشمية. وكنت شخصيا قد كتبت كتابا العام الفائت توقعت فيه سيناريو الصدام بين عمان وتل أبيب في قادم الأيام على فرضية أن ما تقوم به إسرائيل وبشكل ممنهج يصطدم جذريا مع كل ما يؤمن به الأردن. لكن بالمقابل هناك تفكير إسرائيلي يفترض أنه ليس أمام عمان سوى التكيّف مع السياسات الإسرائيلية لأنها – أي عمان – لا تملك شبكة تحالفات كما في السابق. فالأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمر بها الاقتصاد الأردني وسيولة التحالفات في المنطقة والنجاح الإسرائيلي في اختراق جدار مقاومة التطبيع أفضى إلى وضع جيوسياسي سيئ بالنسبة للأردن. وهذه القراءة الإسرائيلية التي تتبناها مراكز التنك تانك في إسرائيل وكذلك شعبة التخطيط العسكري وجهاز آمان (الاستخبارات العسكرية) دفعت اليمين الأيديولوجي الحاكم والذي يمثل مصالح الاحتلال والاستيطان إلى استخلاص نتيجة واحدة وهي أن الأردن سيقاوم لفظيا لكنه سيتكيف مع التغيرات التي تحدثها إسرائيل على الوضع القائم في الأراضي المحتلة.
على الرغم من عدم صلابة الموقف الرسمي الأردني في التصدي لصفقة القرن، إلا أن هناك تيارا شعبيا جارفا يرى بأن الصدام مع إسرائيل هو السيناريو الأرجح إن ارادت عمان بالفعل الدفاع عن مصالحها، وعليه لماذا يستثمر الأردن في علاقة اعتمادية – صفقة الغاز – على كيان لا يرى في الأردن شريكا وإنما طرف متلق للتعامل مع مخرجات السياسات الإسرائيلية! وهناك من يرى بأن كلفة المواجهة مع إسرائيل الآن هي أقل بكثير من المواجهة لاحقا.
ويخشى هذا التيار الشعبي الجارف أن تخرج علينا بعض النخب بلسان الواقعية السياسية والبراغماتية التي ستتذرع بأسبقية البقاء على أي مواجهة في ظل انكشاف عربي غير مسبوق. بقي أن نشير إلى وجود تيار آخر معزول يتحدث على استحياء بأن الأردن سيصمد في وجه تسونامي التغيرات وبالتالي ليس مطلوبا من الأردن عمل أي شيء في الوقت الحالي. ويجمع الأردنيون على أن هناك ضرورة لتمكين وتصليب الجبهة الداخلية كضمان وحيد، لكن ما يجري على أرض الواقع هو تفتيت لهذه الجبهة بفعل السياسات الاقتصادية الكارثية للحكومة الحالية ومن سبقها من حكومات. جلالة الملك يقول بأن خياراته واضحة في التصدي للسياسات الإسرائيلية في حين أن سياسات الحكومة تفيد بأنها أقرب إلى سيناريو التكيف مع صفقة القرن.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock