أفكار ومواقف

بين الموقف السويسري والأوروبي

يتعرض موقف الاتحاد الاوروبي للنقد الشديد نتيجة الصمت على ما يجري في غزة. وقد كان لبيان الحكومة السويسرية الذي ادان انتهاكات اسرائيل للقانون الدولي تأثير كبير في كشف الموقف المتخاذل الاوروبي. قالت جنيف ان اسرائيل ترتكب انتهاكاً كبيراً للقانون الدولي بفرض العقوبات الجماعية على الفلسطينيين بعد ان اسروا جندياً اسرائيلياً. وبصفة سويسرا الدولة التي تودع لديها اتفاقيات جنيف، التي تحظر الاستهداف المقصود للخدمات الحيوية للمدنيين مثل الماء والكهرباء، فإنّ أحد أهم اهداف سياستها الخارجية هو الحث على احترام القانون الدولي، كما صرح مسؤول في الخارجية السويسرية، مطالباً ان يقرأ البيان السويسري ويفهم ضمن هذا الإطار.


ولم تكن هذه هي المرة الاولى التي ينطلق فيها صوت سويسرا – المعروف عنها انها دولة محايدة، ولا تقحم نفسها بسرعة في مسائل سياسية خلافية- قبل غيرها من الدول الأوروبية بتأكيد المبادئ الصحيحة للتعامل بين الدول وبضرورة احترام القانون الدولي. فقد كان الرئيس السويسري، مورينز لوينبيرغر، صرّح في مطلع هذا العام بأنّ منع المساعدات عن السلطة الفلسطينية كان خطأ. واضاف انه كان يجب ان تعطى حكومة حماس المنتخبة الفرصة لتبرهن قدرتها على العمل.


قارن عدد من المعلقين والكتاب بين هذا الموقف الجريء وبين التخاذل والنفاق الاوروبي الذي اما لاذ بالصمت او اكتفى بالدعوات الهزيلة لحل المشكلة بالدبلوماسية. في تقرير للاسوشيتد برس كتبه سلوببودان ليكتش اكد فيه ان سياسة اوروبا تجاه الشرق الاوسط قد تعرضت لتغيير جذري قربها من الموقف الاسرائيلي، وان هذا التغيير قد زاد وضوحاً بعد انتخاب الفلسطينيين لحركة حماس لتقود الحكومة الحالية، وحماس في نظر الاتحاد الاوروبي منظمة ارهابية. وعزا الكاتب هذا التغيير إلى حرص الاتحاد الاوروبي على إعادة إصلاح ما أصاب العلاقات الاوروبية الاميركية من ضرر نتيجة حرب العراق، وسعي اوروبا لمسايرة الموقف الإسرائيلي كإحدى وسائل استرضاء واشنطن والاقتراب من سياستها المؤيدة بلا تحفظ لكل ما تريده اسرائيل.


واستغرب الكاتب أن تقتصر ردود الفعل الاوروبية على اجراءات اسرائيل بالغة الفظاعة في غزة على مثل تصريح مفوضة العلاقات الخارجية بنيتا فيريرو والدنر عندما قالت: ” إنّ على الجانبين أن يقيما مسؤولياتهما بعناية فائقة”. وأظهر الكاتب التباين الصارخ في الموقف الأوروبي الذي طالبت السيدة فيريرو بموجبه بالافراج عن الجندي الاسرائيلي بينما لم تتعرض بأي ذكر لتدمير الكهرباء والجسور واعتقال


(64) مسؤولاً كبيراً من حماس و(26) عضواً في المجلس التشريعي. كما أن الاوروبيين الذين كانوا يطالبون اسرائيل بالتعويض عما تهدمه هجماتهم من مؤسسات بنيت بالمال الاوروبي, لم يقولوا كلمة واحدة هذه المرة تعليقاً على ما دمرته الغارات الاسرائيلية من البنية التحتية التي موّلت اوروبا بناءها.


ووصف جوناثان ستيل، في الغارديان(6 تموز)، وصف رد الفعل الاوروبي بأنّه مخز، بينما أشاد بشجاعة الحكومة السويسرية كونها الوحيدة التي تجرأت على إدانة ما يفعله الإسرائيليون في غزة نوّه أنّ ذلك بين الفرق الشاسع بين الشجاعة السويسرية والصمت الأوروبي المشين.


وتمنى لو أنّ اوروبا اقتدت بما كتبه الاسرائيلي جدعون ليفي في هآرتس عندما قال” انه لا يمكن تمييز دولة تقوم بهذه الاعمال مشيراً لما قامت به اسرائيل في غزة عن منظمة ارهابية”.


ونشرت(كاونتر بنش) مقالاً للكاتب جيمز بروكس(4/7) جاء فيه أنه قد يكون من البديهي أن تصر حكومة الولايات المتحدة على ضم موقفها لاسرائيل في تدمير الفلسطينيين. لكنه لا يمكن تفسير انضمام اوروبا لمثل هذا الموقف إلاّ إذا كان ناجماً عن الاستحواذ الأوروبي بفكرة ضم اسرائيل لامبراطوريتها المتوسطية الآخذة في التوسع، بحيث أدى هذا الاستحواذ إلى تقليص الالتزام الاوروبي الاخلاقي تجاه الفلسطينيين إلى


” مجرد بقايا الفكة النقدية الزائدة(التي تقدم للمتسولين) وفتات النفاق الذي يقدمه لهم سولانا”.


عند مناقشة الموقف الاوروبي لا بد من توضيح مسألة هامة، وهي ان الحكم على سياسة اوروبا تجاه قضية الصراع العربي الاسرائيلي بشكل عام، او ما يجري حالياً في غزة، من خلال مدى التأييد الاوروبي للجانب العربي او الجانب الاسرائيلي، بقدر ما يجب أنْ يكون الحكم من خلال انسجام أي موقف أوروبي مع القانون الدولي ومع المبادئ الصحيحة التي تحكم العلاقات الدولية، والتي نتوخى من اوروبا أن تكون الأحرص على مراعاتها والتمسك بها. من هنا كانت خيبة الأمل، ليس العربية فقط، بل وعلى نطاق عالمي من موقف اوروبي ضعيف ومتخاذل ومتناقض مع مبادئ الديمقراطيات الاوروبية ذاتها.


وكما ذكر جيمز ببروكس فقد تكون ايدي واشنطن مكبلة لاعتبارات سياسية داخلية معروفة تجعل من الصعب عليها مواجهة التمادي الاسرائيلي في هذا الوقت على الأقل. لكن ما الذي يكبل أيدي اوروبا؟ عند التحليل نجد ان موقف سويسرا قد يفيد اسرائيل من حيث انه يواجهها بالحقيقة، وقد يؤدي ذلك الى يقظتها وادراكها لخطر المسار الذي سيؤدي بها للهاوية، اكثر من مواقف المسايرة والنفاق والمحاباة التي تخدع اسرائيل وتزين لها طرق التمرد ومجافاة الحق والقانون والغرق في عمق مستنقعات العنف والعداء وتدمير كل الجسور التي يمكن ان يمر عليها السلام في المستقبل.


لا يمكن لأحد ان يشك في ولاء صحيفة مثل هآرتس لبلدها. فلماذا لا يقتدي الخائفون بما تكتبه هذه الصحيفة بجرأة وصدق وبنقد لاذع للاجراءات الاسرائيلية.


بالاضافة لما أشرت له سابقاً على لسان جدعون ليفي، وجهت هآرتس نقداً لاذعاً للسياسة الاسرائيلية في افتتاحيتها في 5 تموز وقالت: ان حادث”خطف” الجندي الاسرائيلي قد ادى لإعادة احياء بلاغة الحديث عن الأمن وسيطرة هذا الحديث على قلوب الجماهير، بالرغم أنّ هذه الوصفة قد جربت على مدى عشرين عاماً من الاحتلال وفشلت فشلاً تاماً. كما ان هذه الوصفة، في رأي الصحيفة الاسرائيلية، قد أضرت بقدرة اسرائيل على الردع وبقوتها ليس لاستخدامها لمقدار قليل من القوة بل لاستخدامها القوة بشكل مفرط.


وقالت الصحيفة ان ارادة الفلسطينيين وتصميمهم وقدرتهم على الصبر والاستمرار قد ازدادت فقط عندما ساءت احوالهم. وطالبت الصحيفة بالاعتراف الوجوبي بأن كل طريقة عسكرية ابتدعتها اسرائيل ادت لولادة طريقة فلسطينية لا تقل ابداعاً، كالهجمات”الانتحارية” وصواريخ القسام والأنفاق التي تمكنت من انهاك وارهاق اكبر قوة عسكرية في الشرق الاوسط.


ونددت الصحيفة بسياسة اليمين قائلة انه لا يوجد شيء اكثر احباطاً من فقدان الطريق والهدف لأنّ اليمين يقدم دائماً الوصفة ذاتها ولكن بجرعات مختلفة؛ فهو يقول:” ان لم تردعهم القوة فليستخدم بحقهم المزيد من القوة، وان لم يردعهم المزيد من القوة فليستخدم المزيد من القوة”. ووصفت الصحيفة المستوطنات بأنها كانت – ولا تزال- نوعا من ممارسة القوة وأنّ الجدار هو استخدام للقوة ايضاً، وان محاولة اسقاط حكومة منتخبة بالدبابات وازالة اعضاء برلمان منتخبين عن طريق اعتقالهم تشكل سياسة اعتدائية قائمة على ممارسة القوة.


وختمت الصحيفة بتوجيهها النصح لرئيس الوزراء الاسرائيلي قائلة انه آن الاوان حتى يمتلك رئيس الوزراء الشجاعة ويعترف ان لا خيار لاسرائيل على المدى البعيد سوى الانسحاب من المناطق المحتلة وانهاء الاحتلال، وأكدت على ضرورة أن تكون نهاية الاحتلال هي الهدف النهائي لأي تكتيك يستخدم حالياً لإنهاء الازمة.


نتساءل: اذا كان هذا الكلام يرد في صحيفة اسرائيل موالية؛ ما الذي يمنع ان يقال في المواقع الاخرى؟ فالنفاق والمحاباة ومسايرة التمرد الاسرائيلي على القانون الدولي وعلى تنكيلهم بالفلسطينيين يلحق اكبر الضرر بالسلام وبإسرائيل وبكل ما له علاقة بالشرعية الدولية واحترام القانون.


سفير الأردن سابقاً في الأمم المتحدة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock