فكر وأديان

بين بدر والفتح

د. محمد المجالي

مرت ذكرى غزوة بدر قبل يومين، وهي ذكرى بداية الإسلام أيضا، حين نزل جبريل عليه السلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الغار، وابتدأ الوحي بـ: “اقرأ”، ومن هنا سمى الله بدرا بيوم الفرقان، فهي في حقيقتها فرقان بين حق وباطل، وإلا فمن كان يخطر بباله أن فئة قليلة بلا سلاح ولا تهيئة للحرب تغلب فئة كبيرة مستعدة للقتال، هذا في عرف البشر مستحيل، ولكن الله تعالى يريد أن يحق الحق بكلماته، ويقطع دابر الكافرين، ولو كره المجرمون.
وغدا ذكرى فتح مكة، وبين الفتح وبدر ست سنين، فغزوة بدر في رمضان من العام الثاني للهجرة، وفتح مكة في العشرين من رمضان في العام الثامن للهجرة، ومرة أخرى، من كان يظن أن هذا النبي ومن معه من المؤمنين الذين هاجروا سرا، وتركوا أهلهم ومتاعهم، سيرجعون بعد ثماني سنين من هجرتهم، ليقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن أخرجه وتفنن في إيذائه وأصحابه: ما تظنون أني فاعل بكم؟ ليجيبوه والمسكنة تعلو وجوههم المنكسرة للحق: أخ كريم وابن أخ كريم، ليقول لهم في النهاية: اذهبوا فأنتم الطلقاء، بل يغزو مباشرة بعد الفتح هوازن وثقيف فيما سمي بغزوة حنين، ويغنم كثيرا، ويوزع جزءا من الغنائم على المؤلفة قلوبهم من قريش نفسها، علامة على علو الحق، ومع الحق رحمة وسعت حتى أعداء الأمس، فهو هذا الدين العظيم الذي يصنع المعجزات إن التزمت به المجتمعات.
شاء الله تعالى أن تكون الغزوة الأولى بدرا، وفي البدر معاني التمام، لم تكون نية القوم قتالا، بل قافلة تاجرت فيها قريش بأموالهم التي اغتصبوها، استطاعت القافلة الإفلات في طريقها إلى الشام ابتداء، فترصدها النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه في إيابها، فهي بلا شك ستمر بجوار المدينة، وصل الخبر لقائدها أبي سفيان، فاستنجد قومه ليحموا أموالهم، واختار طريقا آخر ساحليا فنجت القافلة مرة أخرى، وتهيأت قريش لحرب محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه، وساروا للحرب، وبلغ خبر خروجهم محمدا صلى الله عليه وسلم، ولما اتضحت الحقيقة، أن القافلة نجت، وأن قريشا على الأبواب حيث اللقاء الذي رتبه الله سبحانه لحكمة يريدها.
كشف الله عن حقيقة قلوب الصحابة عموما؛ حيث تمنوا القافلة لا القتال، لا جبنا فيهم، بل لأنهم غير مستعدين، ولو أن فيهم طائفة منهم كارهة للحرب ابتداء، وصدق الله: “كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون، يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى البيت وهم ينظرون، وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون”.
ولما بلغ خبر نجاة القافلة قريشا أصر زعيمهم أبو جهل على المضي في قصدهم، وعبّر بعبارات التكبر والتجبر، أن يصلوا بدرا، فيشربوا الخمر، وتعزف القيان، وينحروا الإبل، فما تزال العرب تسمع بهم حتى تهابهم، ويا لمصير المتكبرين في كل زمان، فقد أبى الله تعالى إلا أن يكون نصرا للفئة المستضعفة على الفئة المستكبرة، وقُتل صناديد قريش، فوعد الله لا يتخلف، وعدهم إحدى الطائفتين، ونجت القافلة، فلا بد من المواجهة، ربما هم في قرارة أنفسهم استغربوا حتى مجرد المواجهة فهم غير مسلحين، لكن إرادة الله تمت، وكان اللقاء، وقطع دابر القوم الذين ظلموا، واهتزت مكانة قريش حين سمع العرب بما حصل، تم هذا بعد أقل من سنتين على الهجرة، ففي ميزان البشر كل ذلك مستحيل، ولكنها إرادة الله.
أما الفتح فقد كان أعجوبة أخرى، همّ النبي صلى الله عليه وسلم بالتوجه إلى مكة لأداء عمرة بعد أن رأى أنه يدخل الحرم هو وأصحابه، واستبشر الصحابة فهم في شوق عظيم لمكة التي أُخرِجوا منها، خرجوا ومعهم سلاح الراكب لا المقاتل، وشاء الله أمرا آخر، فقد منعتهم قريش، وجرى صلح الحديبية، وكان ذلك في ذي القعدة من العام السادس، وبدت بنود الصلح مجحفة في حق المسلمين، ورجعوا من عامهم ذلك محزونين؛ إذ كانت مكة على بعد مسافة قريبة منهم، ولكن مقدمات أمر يريده الله قد بانت، فقد حبس الله ناقة النبي صلى الله عليه وسلم من الاستمرار في المسير، فعلم أن الله يريد أمرا ما، وكان ما كان، ولا يتسع المقام للتفاصيل، ورجعوا، وأدوا العمرة في عامهم المقبل، وعاشوا في سلم استطاعوا من خلاله تبليغ الدعوة لأكبر عدد من الناس، وأسلم عدد كبير، ومن هنا سمى الله الصلح فتحا، ولا أدل على ذلك من أن عدد المسلمين في الصلح كان قرابة ألف وخمسمائة، بينما بعد سنتين في فتح مكة، كان عدد الجيش عشرة آلاف.
هي مشيئة الله وتوفيقه لعباده إن هم توكلوا عليه فأخذوا بالأسباب ولو كانت بسيطة، فهو التعامل مع الله، وهو الذي وعد بنصر المؤمنين: “وكان حقا علينا نصر المؤمنين”، وهو الذي قال: “إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم”، نتذكر هذا في كل حين، في ظروف السلم والحرب، فالعقد الذي بيننا وبين الله عبادته بالمفهوم الشامل للعبادة، حيث الخضوع لأمره، وجعله سبحانه مقصدا لنا في توجهنا كله، حتى في أمور دنيانا لنحصّل الأجر، وحين يكون مقصدنا هو الله، فلن يخيّب الله رجاءنا، ولن يخذلنا.
في بدر وفتح مكة وغيرهما كالأحزاب وحُنيْن وتبوك من الأمل الشيء الكبير الكثير، خاصة في زمن الانتكاسة وغلبة الكفر وتحكمهم واستعلائهم، لكن القرآن يتحدث، والتاريخ يخبر، أن لا مستحيل مع الله، حين نأخذ بالأسباب، ونحسن الظن به سبحانه، ونثق بأنفسنا ونبني الإرادة الحقيقية، ونتخلص من العبودية لغيره سبحانه وتبعاتها، فليست المعادلة قوة الآخرين وضعفنا، بل غياب إرادتنا والهزيمة الداخلية التي نعاني منها مع شلل الإرادة وتمزق الأمة وكثرة خلافاتها، ومع هذا فحين يشاء الله تتبدل الأمور كلها، وهو صاحب هذا الدين وهو أكثر غيرة عليه وعلى أتباعه المستضعفين، والمهم أن لا نيأس، ونعمل ولو بالبسيط من أمر الله، “والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock