آخر الأخبار حياتناحياتنا

بين “سندان المجتمع ومطرقة الكتمان”.. كيف تعيش المعنّفات من قبل أحبائهن؟

شفاء القضاة

عمان- “حكالي أنا شو ذنبي أكون مع وحدة تفكيرها محدود وغبية؟ وتركني”، بهذه الكلمات تصف سارة (28 عامًا) آخر حوار دار بينها وبين حبيبها السابق قبل أن يتركها مع الكثير من الإهانات.
تقول إن علاقة ودية بدأت بينها وبينه حيث كانا قريبين من بعضهما بعضا، إلا أن ذلك لم يدم طويلًا، فقد بدأ بالضغط عليها لقضاء وقت طويل معه بدل العمل، وإن لم تفعل ذلك تنال نصيبها من الشتائم والإهانات، لتقنع نفسها بأنه سيعود لسابق عهده بعد قضاء المزيد من الوقت، إلا أن تقدمها العملي زاد من إساءته لها، موضحة “قلي إذا مش قادرة أنظم حياتي كيف بدي أكون معه، كنت باجي ع حالي كتير عشانه، بس كان يقول عني غبية وما بعرف أعمل شي”.
حاولت الفتاة العشرينية إيجاد المبررات المناسبة للبقاء مع حبيبها بعد قضاء أكثر من سنة معًا لتتفاجأ بكونه يستمر بإهانتها حال تحقيقها نجاحات على المستوى الشخصي، مشيرة “ما كان بدو بنت تتفوق عليه حتى لو حبيبته، كان يضل يسب ويعصب ويغلط بلا سبب، وتركني”.
عنف الشريك الحميم
لم تكن سارة الوحيدة التي تتعرض للإهانة أو الشتائم أو التقليل من شأنها من قبل حبيبها، إذ تعاني العديد من الفتيات ذلك، وعادة ما ينتهي بهن الحال بالانفصال بعد عدد من المحاولات لاستمرار العلاقة.
معدة التقرير حاولت التواصل مع عدد من الفتيات اللواتي فضلن عدم مشاركة قصصهن، في حين طلبت أخريات أن تتم رواية القصة من قبل قريبة شهدت ما حدث معها، وكثيرات تجنبن الحديث حول هذا الموضوع أو إعطاء تفاصيل واضحة عما حدث معهن.
وتعاني العديد من النساء في الأردن عنف الشريك الحميم أو ما هو متعارف عليه بـ”الحبيب”، وعنف الشريك هو ما يمكن أن يحدث بأي صورة بين اثنين من الأفراد تجمعهما علاقة عاطفية أو “علاقة شراكة”، بحسب المركز الفلكي الخبير في مجال الصحة الجنسية.
ونتيجة لطبيعة الحياة الاجتماعية في البلاد يصعب عليهن التطرق لمثل هذه المواضيع، إضافة إلى سرية العلاقات الغرامية بين الشبان والفتيات التي تجعل من الصعب الحصول على أرقام توثق حجم الضرر أو عدد المتضررات؛ بحسب الباحث المتخصص في شؤون المرأة فيصل سرحان.
ويؤكد ضرورة الاهتمام بالنتائج المتعلقة بهذا النوع من العنف وكيفية التعامل معه، خاصة وأن العديد من الفتيات تتأثر حياتهن بعده، مشيرًا إلى أنه “من الضروري بناء الثقة بين الأهل والفتيات ومساعدتهن على التعبير عن مشاعرهن وفهمها؛ لتقليل تعرضهن للعنف”.
ضرب مستمر وصراخ
تقول رؤى التي روت ما حدث معها بشكل مقتضب “ما حدا بحب يتذكر اللي صار معه، ولأنه من الماضي بنسكر عليه”، بعد أن انفصلت عن حبيبها السابق عقب قضائهما 4 سنوات معًا.
تشير رؤى إلى أن جميع صديقاتها كن يعرفن بحقيقة استخدام حبيبها الألفاظ النابية عند الحديث معها حتى وصل به الحال لتعنيفها جسديًا في إحدى المرات إبان عدم اتفاقهما، إلا أن عودته للاعتذار في كل مرة كانت تغفر له، موضحة “بقلي مش قصده وإنه بحبني وبضحك عليّ بكلمتين حلوين وبصدقه، بلش الإشي بأني سكتت لما صرخ بوجهي وسب عليّ، ما توقعت توصل فيه يضربني”.
لم تكن رؤى على وفاق مع أفراد عائلتها، لذا أخفت أمر حبيبها عنهم، وفي وسط قلقها من عدم إيجاد شريك والضغوط العائلية للزواج، تمسكت به، قائلةً “من أول ما عرفته كان يسب عليّ ويحسسني إني ولا إشي، بس كنت بحبه وبضل أقول ممكن يتغير، كان بعصب وبسب قدام الكل وبعتبره عادي، ولازم أسكت حتى لو انجرحت”.
تكرر شتم حبيب رؤى لها ليتعدى ذلك بضربها، ما سبب لها آلاما نفسية وجسدية “كنت خايفة وبحبه، بس خلص ما ضلش فيها، تركته”. فيما تحاول الفتاة تجنب الحديث حول تجربتها في كل مرة يتم تناول الموضوع فيه.
العنف النفسي والعاطفي
تختلف أنواع العنف الذي يمارس على النساء من قبل أحبائهن لتشمل؛ العنف النفسي ومنه العاطفي، والجسدي والجنسي، فيما تعرّف الأمم المتحدة العنف الممارس ضد المرأة بأنه “أي فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتب عليه، أو يرجح أن يترتب عليه، أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة”.
وتصف الشبكة الوطنية لإنهاء العنف المنزلي (NNEDV) الإساءة العاطفية والنفسية، بأنها التي “تشمل السلوكات غير الجسدية التي يستخدمها المعتدي للسيطرة أو العزل أو التخويف”، مشيرةً إلى أن من الصعب التعرف على “أشكال العنف العاطفي والنفسي، بعكس العنف الجسدي الذي يمكن التأكد منه وهناك دلائل على وجوده”.
لا يدركن تعرضهن للعنف
وعلى الرغم من التجارب التي تعيشها النساء المعنفات، إلا أنهن لا يدركن حقيقة تعرضهن للإساءة النفسية والعاطفية، و”خاصة في ظل عدم الاعتراف المجتمعي والقانوني بالإساءات المتعلقة بالشريك الحميم، ما يشكل ضغطًا بالنسبة لهن في حال حاولنا التطرق لها”، على حد تعبيرهن.
في حين ترى أخريات ضرورة إعطاء مبررات للحبيب أملا بالتغيير، “في ظل وجود بيئة تفرض عليك إخفاء هذا النوع من العلاقات والنتائج المترتبة عليها، والمطالبة بضرورة وجود شريك للنساء”.
بين النساء والرجال
يختلف التعبير عن العنف النفسي والعاطفي بين كلا الجنسين، رغم أن كليهما يحتاجان لأشهر عدة قبل الحديث عن مشاكلهما، ففي الوقت الذي تلجأ فيه النساء بشكل كبير لطلب العون من منظمات المجتمع المدني أو الأجهزة الأمنية، يفضل الرجال حل مشاكلهم بأنفسهم، بحسب مقدمة الخدمات النفسية في جمعية معهد تضامن النساء الأردني الدكتورة ملاك السعود.
وتوضح أن سوء الفهم الناتج عن تفسير الحب يدفع بالفتيات لمشاركة صورهن مع أحبائهن أو قبول أوامر مثل؛ ممنوع الخروج، والمطالبات بالتغيير، والإساءة اللفظية، في الوقت الذي يمكن تبليغ الجهات الأمنية عن الإساءة المتعلقة بالتهديد أو الابتزاز، وفي حالات أخرى يتم اللجوء للأهل وشرح الأمور لهن، مشيرة إلى أن “النساء غير قادرات على اتخاذ أي خطوة إزاء الخيانة أو الإيذاء النفسي، والرجال أيضًا، مجتمعنا يستهين بالحب والخيانة”.
تحاول السعود من خلال عملها مساعدة الآخرين على اختيار الطريقة والوقت المناسب للوقوع بالحب والاستماع لهم بشكل أكبر لمدة قد تتجاوز الساعتين يوميًا، حيث يبدأ الكثيرون مشاركتها مشاكلهم العاطفية بعد أكثر من 6 أشهر على لقائها الأول بهم، تقول “إن لدى الفتيات قدرة أكبر على التعبير عن دواخلهن، أما الشبان فمن الصعب أن يعترفوا بعلاقات الحب التي تؤذيهم، وغالبًا فإن العنف العاطفي الذي يمارسونه على حبيباتهم يرتد لهم”.
وتلفت إلى عدم اهتمام منظمات المجتمع المدني بهذا النوع من العنف أو نشر دراسات متعلقة به، قائلة “على العكس تمامًا، فعادة ما تقتصر الدراسات في الوطن العربي على العنف الجسدي والجنسي والاقتصادي، على الرغم من أن العنف العاطفي من قبل الشريك الحميم يواجه مشاكل اجتماعية وتتم مقابلته بجملة أنت تستحق هذا؛ لأنك وقعت بالحب!”.
حب غير مقبول
ينفي دكتور علم الاجتماع حسين الخزاعي، تقبل المجتمع للعلاقات خارج إطار الزواج، وهو ما يدفع الأهل لإبعاد أولادهم عن أي علاقة عاطفية قد تؤدي لمشاكل في المستقبل، منوهًا إلى أن هذا النوع من العلاقات “ينتهي بسرعة؛ نظرًا لعدم فهم الآخر وتقدير العاطفة، وهو السبب الرئيسي في المشاكل الاجتماعية”.
وعدّد الأسباب التي تدفع لمثل هذا النوع من العنف بالاقتصادية، أو الاختلافات الأسرية أو الصراعات داخل الأسرة الواحدة، أو سوء التفاهم بين الأهل، الأمر الذي يسبب بيئة غير آمنة أو مريحة للأبناء وبالتالي تزيد لديهم من الجفاف العاطفي.
القانون الأردني والعاطفة
لا يجرم القانون الأردني العنف العاطفي أو النفسي من قبل الشريك الحميم نظرًا لتعريفه العلاقات بأنها تلك التي تجمع بين الشريكين بعد كتب الكتاب؛ أي بمعنى أنها العلاقات المبنية على الزواج، وفق قانون الأحوال المدنية، بحسب المحامية أنعام العشي. وتؤكد أن الحبيب لا يملك أي سلطة على حبيبته قانونيًا، إلا أن تطور العلاقة وتحولها لاستغلال مادي أو تهديد أو غيره، يجعل الطرف المُنتهِك يُلاحق قانونيا على أفعاله، وفي هذه الحال تتم معاملته كشخص غريب عن الطرف الآخر.

• جميع الأسماء المستخدمة في هذا التقرير وهمية
• هذا التقرير يعبر عن رأي الكاتبة وتم إعداده بدعم من “صحفيون من أجل حقوق الإنسان” بتمويل من مركز “شمال-جنوب أوروبا”

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock