أفكار ومواقف

بين فسادين!

تكاد تصاب بالدوار وأنت تتابع وتقرأ عن فساد الكبار، أو الفساد الكبير، الذي بات حديث الجميع؛ يغزو مواقع التواصل الاجتماعي، وتسرب له الوثائق والتقارير، وتفتح له جبهات النقد عبر هذا العالم الافتراضي.. والواقعي أيضا، وتحال قضاياه بالعشرات إلى هيئة النزاهة والمحاكم، فتعلم أن العالم تغير؛ وأن الشفافية والرقابة الشعبية باتت طاغية لا يمكن لأحد أو لسلطة أن تقف بوجهها، إلا بالشفافية وبالمحاسبة وبمزيد من الحاكمية.
لا يكاد ينجو مسؤول أو وزير من النقد والتشريح تحت مبضع الرأي العام، وفي أجواء لافتة من الحدة والغضب، بل ومن التجني أحيانا، تشحنها بلا شك حالة الإنهاك المعيشي والاقتصادي التي يجد الناس فيها أنفسهم، بعد أن تمخضت السياسات الاقتصادية والمالية الرسمية عن أزمات اقتصادية ومعيشية طاحنة وعامة، طالت مختلف شرائح المواطنين تقريبا.
وعلى ما يثيره هذا التدفق من النقد والأخبار حول الفساد من حالة إحباط وسوادية في المزاج العام، فإنه بالمحصلة العامة يصب بمزيد من الشفافية والحاكمية، ويسهم بقوة في عملية الردع والوقاية ضد ارتكاب الفساد والتجاوزات المالية والادارية في العمل العام، ويؤطر الرقابة الشعبية بنسق فاعل يغير من أسس ومحددات اللعبة السياسية وإدارة الشأن العام، فلم يعد الرأي العام، الذي بات يمتلك المعلومة والقدرة على التفاعل معها عبر مواقع التواصل، عاملا ثانويا أو يمكن تجاهله بالقرار الرسمي، وإلا كانت ضريبة هذا التجاهل كبيرة على السياسي والمسؤول العام!
هذا من جهة؛ إلا أن جانبا آخر من الصورة العامة المتعلقة بالفساد بمفهومه الواسع يبقى متواريا عن التداول العام الذي ينشغل به الرأي العام عبر مواقع التواصل الاجتماعي، رغم أنه يواجه المواطن بصورة شبه يومية على أرض الواقع، عند مراجعة الدوائر الحكومية ومؤسسات الخدمة العامة وحتى الخاصة، وهو أمر يفاقم أيضا من معاناة المواطن ويزيد من سوداوية المزاج العام، بالرغم من أنه في كثير من الأحيان لا علاقة له بفساد او تقصير المسؤول بالصف الأول.
ذاك الضنك في العيش وضغوط الحياة والمعيشة التي يرزح تحت نيرها المواطن جراء السياسات الاقتصادية والعامة، يكمل معاناتها انتشار أوجه التقصير والتهرب من تحمل المسؤوليات والواجبات التي تواجه المواطن والمراجع للعديد من المؤسسات العامة، وسط شكوى شبه عامة من حجم الترهل والبيروقراطية في تقديم الخدمة العامة وعدم اهتمام الموظف البسيط بأداء ما هو موكل به، الى الدرجة التي باتت تعكس أزمة أخلاق مزرية يشكو منها الجميع ويمارسها –وللأسف- الكثير من الشاكين أيضا.
تكفيك جولة قصيرة صباح كل يوم مع الإذاعات المحلية وما يبث عبر أثيرها من شكاوى مراجعين لمستشفيات ومراكز صحية، او مدارس وبلديات ومؤسسات خدمة عامة، حتى تعرف حجم التهرب من المسؤوليات والواجبات والتقصير في العمل من قبل موظفين عاديين أو من مسؤولين من الصفوف الدنيا.
المشكلة أحيانا؛ أن المسؤول الكبير أو من الصفوف الأولى في الإدارة العامة يكون قابلا للمعاقبة وبشراسة من قبل الرأي العام إن هو أخطا أو قصر مع ترسخ حضور مواقع التواصل الاجتماعي وما توفره من حريات في النقد، لكن الموظف الصغير في مركز صحي او مدرسة او دائرة حكومية قد لا يلتفت إليه أحد عند تقصيره أو هضمه لحق مباشر لمواطن مراجع، فالإعلام و”السوشال ميديا” وروادها لا يلاحقون إلا الكبار والمشهورين والصفوف الأولى من المسؤولين!

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock