صحافة عبرية

بين موسكو وواشنطن

معاريف
زلمان شوفال 13/3/2019

تنشغل وسائل الاعلام الإسرائيلية جدا في الانتخابات وفي التخمينات القضائية، لدرجة انها بالكاد غطت اللقاء المهم لرئيس الوزراء نتنياهو مع الرئيس بوتين والذي كان انعقد مؤخرا في موسكو. في اساس اللقاء كان النشاط المتفرع لإيران في سورية على خلفية حقيقة أن تثبيت الوجود الروسي في المنطقة اصبح حقيقة ثابتة، إلى جانب الوجود الأميركي الاخذ في الاختفاء.
إيران المتحولة نوويا، مع تطلعات التوسع وبرامجها الصاروخية، اضافة إلى نشاط فروعها مثل حزب الله، هي التهديد الامني المركزي علينا. لقد قررت إسرائيل العمل بكل وسيلة، دبلوماسية وعسكرية على حد سواء، لمنع نشوء جبهة إيرانية في سورية.
في جانبه العسكري حقق القرار آنف الذكر، في هذه المرحلة، نجاحا لا بأس به. فقد اضطرت طهران إلى اخلاء جيش القدس التابع للحرس الثوري من قيادته المركزية في المجال السوري والتي كانت في قلب المطار الدولي لدمشق، وكما أفادت وسائل الاعلام، من مخازن السلاح التي يسلح منها الإيرانيون حزب الله في لبنان وفروعهم الشيعية الاخرى في سورية.
ولكن ليس بهذا تنتهي المعركة. بل تبدأ فقط، ولروسيا كفيل ان يكون دورا مهم فيها. هذا اذا كان هو الموضوع الاساس الذي بحث فيه نتنياهو في لقائه القصير ولكن الناجح مع الرئيس الروسي. إسرائيل لا تتحدث فقط عن جبهة الجولان بل عن سورية كلها – وهذا موضوع اكثر اشكالية بكثير. روسيا، في هذه الحالة، هي عنصر مهم للغاية في الاستراتيجية الإسرائيلية.
دورها مركزي وان لم يكن حصريا، وبخلاف الاعتقاد الدارج ليس كلي القدرة أيضا. فالعلاقة بين روسيا وإيران بالنسبة لسورية، وربما أيضا في مواضيع اخرى، تقوم على اساس مصالح مشتركة، ليس بالضرورة بعيدة المدى، تخدمهما معا في هذه اللحظة. ولكن مقابلها أيضا مصالح متضاربة: مثل العلاقات مع حكم الاسد والدور الذي يريد كل واحد منهما ان يلعبه في الاعمار الاقتصادي لسورية.
ان موقف موسكو من المواقف السياسية لإسرائيل ونشاطها العسكري في سورية يتأثر إذن باعتبارات مختلفة واحيانا متضاربة. مثل إيران، فهي بالفعل تريد تعزيز حكم الاسد، ولكن ليس كزبون رئيس لطهران. وبرأي بعض المراقبين، فهي حتى راضية جدا من النشاط الإسرائيلي ضد إيران في سورية، طالما لا يعرض الامر للخطر المصالح المباشرة او القوات الروسية على الاراضي السورية، مثلما تبين من التبريد المؤقت في العلاقات مع إسرائيل بعد اسقاط طائرة الاستطلاع الروسية بمضادات الطائرات السورية. وتشهد الاجواء الدافئة في اللقاء بين نتنياهو وبوتين على أن الحدث بات خلفنا.
ان وضعية روسيا وإسرائيل في عصر بوتين لا يشبه الوضعية في الحرب الباردة، حين كانت إسرائيل وسورية بالاساس أداتين على لوحة الشطرنج بين القوى العظمى. روسيا بوتين تتطلع إلى تثبيت مكانتها الجديدة – القديمة في الشرق الاوسط ليس على حساب إسرائيل، مثلما في الماضي، بل بتضمين إسرائيل.
وقد وجد الامر تعبيرا ملموسا له في اللقاء في موسكو: من ناحية الاجواء الودية التي سادت فيه؛ في تحقيق توافقات مبدئية لتشكيل فريق مشترك للتقدم في ابعاد القوات الإيرانية عن سورية؛ وفي التنسيق بين الجيش الإسرائيلي والجيش الروسي في المجال السوري منعا لتكرار حالات الخلل مثلما في قضية الطائرة الروسية. وكما أسلفنا، فإن روسيا ليست كلية القدرة، ولكن التفاهمات التي تحققت كفيلة بأن تبعد عن الطريق عوائق محتملة في وجه الاستراتيجية الإسرائيلية حيال إيران، على الاقل في المجال السوري.
ان التاريخ الدبلوماسي لا بد سيسجل انجاز نتنياهو في وضع صيغة عملية للتوازن بين علاقات إسرائيل الحيوية مع أميركا وبين التنسيق البراغماتي مع روسيا. وذلك دون أن تعتبر واشنطن، التي تفهم نهج إسرائيل العقلاني، ذلك كمس بمصالحها العالمية.
تتصرف إسرائيل بحكمة حين تعمل بشفافية كاملة تجاه الولايات المتحدة وهي ملزمة بمواصلة ذلك. فأميركا هي مدماك استراتيجي واخلاقي بعيد المدى بينما روسيا ليست حليفا استراتيجيا بل شريكا عمليا في مواضيع معينة – ولهذا أيضا اهمية قصوى.
ان لقاء نتنياهو – بوتين اعاد تثبيت منظومة العلاقات بين روسيا وإسرائيل وبشكل ايجابي سواء للفترة القريبة القادمة ام بالنسبة لاوضاع معينة من شأنها ان تنشأ لاحقا؟.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock