أفكار ومواقف

بين نتنياهو و”قيصر”

بين الموقف الداعم حدّ التماهي للاحتلال الإسرائيلي في فلسطين ولحكومة نتنياهو اليمينية من قبل الإدارة الأميركية، وبين إصدار هذه الإدارة لقانون “قيصر” الخاص بتشديد الحصار على سورية والدول التي تتعامل معها، تتجلّى بصورة فاقعة الازدواجية الأميركية في التعامل مع الشرعية الدولية والأخلاقية، ويبدو استهتار الدولة العظمى الأولى بالمصالح العربية على أشده ودون أي اكتراث بمن لا يقدرون هم أنفسهم مصالحهم القومية والوطنية.
يتباهى الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يوقع قبل أيام ما يسمى بقانون حماية المدنيين في سورية “قيصر”، وهو قانون لا يهدد فقط بمعاقبة ومحاكمة المسؤولين السوريين بدعوى ارتكاب جرائم حرب، بل ويفرض عقوبات مشددة على دول وشركات تتعامل تجاريا مع سورية أو تشارك بإعادة إعمار هذا البلد، متناسيا أن هذه العقوبات لن تطال الحكومة السورية بقدر إضرارها أساسا بالشعب السوري واستقراره ومصالحه، بعد أن دمرت الحرب والصراعات الدولية والإقليمية بلاده، وفاضت شرورها وأضرارها على دول الجوار السوري.
في هذا الوقت الذي تتذرع فيه الإدارة الأميركية بأن قانونها المذكور يأتي للدفاع عن الشعب السوري وتحقيق العدالة له، لا يرف لها جفن وهي تقدم كل الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري لكيان الاحتلال الإسرائيلي، رغم كل جرائمه بحق الشعب الفلسطيني ورغم مخالفته الفاقعة للشرعية الدولية وللمواثيق الإنسانية، بل وتتبجح هذه الإدارة وهي تقر بكل الاختراقات الإسرائيلية للشرعية الدولية ولكل ما نتج عن الاحتلال من مصادرة غير شرعية للأراضي والحقوق الفلسطينية.
وفي الوقت الذي تتباكى فيه الإدارة الأميركية كذبا على الشعب السوري وهي توقع قانون “قيصر”، يخرج حليفها المدلل الإرهابي الأول نتنياهو ببرنامجه وخطته للمرحلة المقبلة التي يعد بها الناخبين الإسرائيليين، وفيها يعد واثقا بتحصيله اعترافا أميركيا بسيادة الاحتلال الاسرائيلي على غور الأردن المحتل وعلى كل مستوطنات الضفة الغربية المحتلة. هذا الوعد المتغطرس من نتنياهو لا يبدو حلما أو تمنيا بل يعكس ثقة كبيرة وتلقيه وعودا مؤكدة من ترامب باتخاذ هذه القرارات العدوانية التي تضرب عرض الحائط بالشرعية الدولية وتغلق الباب على كل جهود التسوية السياسية التي ما يزال يتشدق بها ترامب وإدارته.
بل إن السياق الطبيعي لسياسات وقرارات ترامب فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية تشير إلى أن الإقرار الأميركي بشرعية فرض الاحتلال لسيادته على غور الأردن والمستوطنات بالضفة أمر مفروغ منه وقادم لا محالة، بعد أن اعترفت تلك الإدارة بالقدس الموحدة عاصمة لكيان الاحتلال وبعدم مخالفة المستوطنات للقانون الدولي وبضم الجولان المحتل، وبعد إعلانها حربا شعواء على “الأونروا” وحقوق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة.
بعد كل هذه الازدواجية الأميركية المعلنة والفاقعة والاستهتار بالحقوق العربية في القضية المركزية للأمة يبدو الأقسى على النفس ما يبشرنا به نتنياهو في خطته المذكورة وبعد أن يؤكد عزمه الحصول على اعتراف أميركي بشرعية ابتلاعه لكل الضفة الغربية المحتلة، حيث يعد ناخبيه بالنجاح في التطبيع مع دول عربية والوصول الى توقيع اتفاقات “سلام” معها، وذلك بالتوازي مع إقامة تحالف دفاعي تاريخي مع الولايات المتحدة يحافظ على حرية التصرف الإسرائيلية، والتصدي لإيران وحلفائها بشكل حاسم!
ليست الكارثة والبؤس في الانحياز الأميركي الأعمى لكيان الاحتلال ولا في تبجح ترامب ونتنياهو بخطابات النصر على الشعب الفلسطيني والحقوق العربية والشرعية الدولية، بل البؤس والكارثة هو في هذا الواقع العربي المزري، الذي يترافق فيه الحديث عن تصفية قضيته المركزية مع حديث التسويات و”السلام” والتطبيع الواسع مع دول عربية قريبة وبعيدة!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock