آخر الأخبار حياتناحياتنا

بيوت الأجداد “ملاذ آمن” للأمهات العاملات في غياب دور الحضانة

منى أبوحمور

عمان- عودة العمل للكثير من القطاعات في ظل استمرار إغلاق الحضانات يضع الأمهات العاملات أمام مطب تأمين مكان آمن ورعاية صحية وتربوية لأبنائهن، ما يدفع العديد منهن للجوء لحضن الجدات من جديد.
فرغم التسهيلات ومراعاة نظام العمل المرن للأمهات العاملات، وإمكانية تطبيقه عن بعد، إلا أن الكثير من الأمهات بات تأمين مكان لأطفالهن أمرا مقلقلا للغاية، في ظل فرض طبيعة عملهن التواجد في مكان العمل.
ومن هؤلاء الأمهات العاملات الأربعينية لمى كريم التي استلمت رسالة إلكترونية من عملها تقتضي تواجدها في المكتب بشكل يومي، وعليه لجأت لوالدتها كبديل آمن في رعاية طفلتها الصغيرة التي لم تتم عامها الأول.
وتقول “بيت والدي هو المكان الآمن الذي يمكن أن أطمئن على طفلتي به”، لافتة إلى أنها لن تجد مكانا أحن على طفلتها كالبيت الذي تربت وكبرت فيه.
وتخشى لمى تأخر أخذ قرار بإعادة فتح الحضانات، الأمر الذي قد يتسبب بإرهاق لوالدتها التي لم تهتم بأطفال صغار منذ سنوات طويلة.
وكذلك الحال بالنسبة للموظفة هنادي العبادي، فرغم أن خيار إرسال طفليها لبيت جدهما متاح، إلا أن الفكرة لا تروق لها كثيرا، فبعد المسافة بين عملها وبيت أهلها، واضطرارها للخروج كل صباح لمسافات بدا أمرا مرهقا، ناهيك عن خوفها من أن تسبب ضيقا لوالدتها.
العودة لحضن الجدات وأحاديثهن وطعامهن المميز كان خيار خالدة الحياري التي ترسل أبناءها منذ شهر لبيت والدة زوجها للاعتناء بصغيرها، فرق كبير لمسته الحياري على طفلها الذي بدا على سلوكياته بأنه يشعر براحة أكبر، كما ازدادت حيويته ونشاطه، فضلا عن فرحته كل صباح عند إخباره بأنهما متجهان لبيت “تيتا”.
وتضيف “لم أعد أحمل هم طعامه ولباسه أو حتى مرضه، فأنا متأكدة من أنه بين أيد أمينة، ناهيك عن طبق الطعام الذي تأخذه أثناء عودتها إلى المنزل”.
وتتابع “نشكر كورونا الذي أعاد إلى قلوب أطفالنا الراحة واستشعار حنان الجدات”.
فرزت الأزمة الأخيرة، وفق التربوي الدكتور عايش النوايسة، تغيراً كبيراً ومفاجئاً في طبيعة حياة الأطفال في المجتمع الأردني، وتغيرت طريقة حياتهم اليومية، ومع من يتعاملون، وكيف يتعاملون ويعاملون، وهذا شمل جميع الأطفال بشكل عام، والأطفال الذين يرتادون دور الحضانة نتيجة طبيعة عمل الأم.
ويلفت النوايسة إلى أن مجريات الأطفال قبل أزمة “كورونا” تسير بصورة اعتيادية من حيث المكوث لساعات محددة في دور الحضانة والتعرض إلى برامج وألعاب موجهة وأغذية محددة، إلا أن الأطفال وجدوا أنفسهم فجأة أمام هذا الحدث كحال باقي أفراد المجتمع، وأغلقت دور الحضانة كإجراء احترازي لمنع انتشار المرض.
“كان الخيار الأوحد أمام الأمهات هو ترك الأبناء لرعاية الجدة أو من ينوب عنها في بيت الأسرة أثناء ذهاب الأم للعمل”، مشيرا إلى أن هناك جانبا إيجابيا في هذا ينعكس على شخصية الطفل من خلال تعزيز عمليات التواصل الاجتماعي ما بين الأطفال والجدة والجد ومن يعيش معهم، فمردود الحنان الاجتماعي والرعاية والحرص هنا عال.
وينوه النوايسة إلى أن ما يفتقده الطفل هنا، وكانت توفره دور الحضانة، هو البرامج والألعاب الموجهة التي تسهم بصقل شخصية الطفل وتساعده على تطوير العمليات النمائية والتعليمية لديه، وهذا لا يعني الانتقاص من دور بيت الجدة في تعليم الطفل.
في حين يرى الخبير الأسري مفيد سرحان، أن عودة العمل لكثير من القطاعات في ظل استمرار جائحة “كورونا” مع استمرار الإغلاق لمؤسسات أخرى يسبب الكثير من المعاناة للملتحقين بالعمل نظرا لارتباط عمل المؤسسات بعضه ببعض.
ويذكر “من صور ذلك معاناة المرأة العاملة سواء في التنقل في ظل استمرار العمل بنظام الفردي والزوجي أو الاستمرار في إغلاق الحضانات بالنسبة للعاملات، ممن لديهن أطفال بحاجة الى رعاية”.
وبغض النظر عن مبررات استمرار إغلاق الحضانات، إلا أن ذلك يفرض على العاملات إيجاد بدائل مناسبة لرعاية الأطفال خلال فترة العمل، ومن أكثر البدائل اعتماد الأمهات على جدات الأطفال للقيام بهذه المهمة، وفق سرحان.
ويضيف “تربية الأطفال مهمة، كانت الجدات تقوم بها في السابق قبل انتشار الحضانات ورياض الأطفال؛ حيث كانت الأسرة تسكن في بيت واحد أو بيوت متقاربة، مما يسهل التواصل بين الجميع”.
ومع تباعد المساكن، بل وسكن الأبناء والبنات في الأغلب بعد الزواج في مناطق وأحياء أو مدن متباعدة، وفق سرحان، قل تواصل أفراد الأسرة الكبيرة، وأصبح التواصل الشخصي يتم من خلال الزيارات المحددة من حيث اليوم والمدة مما أضعف علاقات الأحفاد بالأجداد والجدات، وفق سرحان.
ويقول “في هذا الظرف، فإن العودة الى دور الجدات فيها من الإيجابيات التي تشعر الأجداد بدورهم وقدرتهم على الإنجاز والتواصل مع الأحفاد، مما سيؤثر إيجابيا على النفسية والتواصل بين الأجيال”، وهذا بالضرورة يتطلب قدرة الجدات الصحية على القيام بهذه المهمة.
إضافة الى امتلاك القدرات التربوية التي تناسب الأحفاد، بحسب سرحان، وتتوافق مع الأساليب التي اعتاد عليها الطفل، وكذلك توفر وسائل اللعب والتعلم والترفيه المناسبة، حتى يمكن للطفل التكيف مع الوضع الجديد خصوصا في المرحلة الأولى، وحتى تتمكن الجدات من القيام بهذه المهمة بدون معاناة كبيرة، وتشعر فيها بالمتعة.
ويشرح “قد يستغرق إيصال الطفل وإرجاعه للمنزل وقتا، يكون على حساب وقت الأم العاملة، مما سيزيد من إرهاقها ويؤثر سلبا على صحتها النفسية، وبالتالي على علاقاتها بالزوج والأبناء، بل حتى على عملها وإنجازها وعلاقاتها مع زملاء العمل”. ومن جانب آخر، يلفت سرحان إلى أن رعاية الجدات للأحفاد سيمنحهم ميزات لا تتوفر في الحضانات، ومنها الحصول على درجة عالية من الرعاية والحنان الأبوي، وهو ضروري للأطفال كما سيعمق الصلات بين الأجيال ويزيد من أواصر المحبة والألفة والتراحم، والذي سيظهر أثره لاحقا، كما أن الموروث الثقافي الذي يحمله الأجداد والجدات يعد كنزا ثمينا بالنسبة للأحفاد.
ويشدد سرحان على ضرورة أن لا تشكل رعاية الجدات للأحفاد عبئا خصوصا في حال معاناة الأجداد من أمراض تؤثر على قدرتهم على الحركة، عدا عن خدمة الآخرين ورعاية الأطفال، وهي مهمة ليست سهلة وبحاجة الى قدرات ومتابعة مستمرة.
ويؤكد أن عودة المرأة الى العمل في حال وجود أطفال بحاجة الى مزيد من التفكير والتأكد من توفر رعاية مناسبة للأطفال بما يحقق مصلحتهم ويراعي حقوقهم، وحتى لا تكون العودة الى العمل تسبب ضررا لا يمكن علاجه، سواء ضررا صحيا أو نفسيا لا يمكن تداركه، خصوصا في ظل انتشار وباء “كورونا” وبعد أشهر شملت فترات حظر ومنع تنقل، وما سببه ذلك من آثار ومعاناة للكثيرين صغارا وكبارا، بحسب سرحان.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock