أفكار ومواقف

بيوت ومبان مريضة بالتلوث البيئي

“والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين” سورة النحل
فاجأتني الدراسة العلمية الصادرة عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي بعنوان “ملوثات البيئة الداخلية للمباني” تأليف فرحات محروس بقدر الملوثات البيئية في بيوتنا ومبانينا، وما يمكن أن تؤدي إليه من أمراض وإصابات وخسائر، مثل الحساسية وتهيج العين والأنف والأذن والحنجرة، والصداع والغثيان والدوار والتهاب المجاري التنفسية، وذلك بسبب مواد البناء المستخدمة والوقود وأدوات التنظيف والأجهزة الكهربائية والديكور والزخرفة والطهو.
يحتاج الإنسان يوميا إلى 12 ألف لتر من الهواء للتنفس، وفي ذلك فإن البيئة الملوثة يمكن أن تُحل في جسم الإنسان عن طريق التنفس كميات كبيرة من المواد الضارة التي تمتلئ بها البيئة المحيطة بنا في البيوت والمكاتب والمباني، مثل أول أكسيد الكربون، وأكاسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين والأتربة والغبار، والجسيمات الدقيقة، والميكروبات، وكذا الحرارة والأصوات والأضواء الزائدة عن الحدّ.
تقول وكالة حماية البيئة الأميركية أن نسبة تركيز الملوثات في داخل البيوت والمباني أكثر منها في الفضاء الخارجي بحوالي الضعف إلى خمسة أضعاف، وقد تصل في حالات إجراء الصيانة أو الصباغة أو استخدام المواد الكيماوية إلى مائة ضعف! فإذا علمنا أن أهل المدن يقضون في المباني أكثر من 90 في المائة من أوقاتهم، وأن ثلثي هذا الوقت نقضيه في المنازل ندرك حجم الخطر الصحي والنفسي الذي يمكن أن تؤدي إليه بيئة المباني والبيوت وخاصة بالنسبة للأطفال وكبار السن والنساء الحوامل والمرضى.
يمكن الاستدلال على تلوث المباني بالحواس المباشرة من خلال التنفس أو الشعور بالرطوبة أو الروائح غير المألوفة أو نقص الاكسيجين أو الضوء، أو عدم حركة الهواء، أو ملاحظة الماء والبقع والأتربة والغبار وآثار الرطوبة على الجدران والنوافذ والأثاث، والشعور بالصداع والخمول…
تنتشر الملوثات وتتركز بسبب الاحتراق في المطبخ والمدافئ والورش الداخلية، والمواد الكيماوية المستخدمة في البناء والعمل المنزلي، والجسيمات الدقيقة المتسربة إلى الهواء، والضوء والتهوية في البيوت والمباني، والغازات والأبخرة والإشعاعات والكائنات الحية الدقيقة والأصوات المحيطة من الورش والمركبات، والمبيدات والمنظفات ودخان السجائر والتبغ، والطحالب، ويؤدي إغلاق النوافذ أو نقص التهوية والشمس إلى زيادة تركيز الغازات الضارة والبكتيريا والفيروسات وترسبات المعادن الضارة مثل الرصاص.
في مصادر تلوث البيئة الداخلية للبيوت والمباني تذكر الدراسة أجهزة التدفئة والطهو، وألياف الاسبست المستخدمة في مواد البناء والديكور والملابس والأثاث والأخشاب المضغوطة والسجاد والمفروشات والمنتجات المنزلية وأنظمة التهوية والتبريد والتسخين ومواد التنظيف والتلميع والأصباغ والأحبار والمواد اللاصقة والتدخين ومواد الرسم والتلوين والتزيين ونباتات الزينة والحيوانات الأليفة والأجهزة والمكائن المنتجة للإشعاعات والأوزون والكربون والمواد العضوية المتطايرة والأمونيا والمبيدات الحشرية والسيارات والورش،..
وتذكر الدراسة عشرات المواد الملوثة المنبعثة من الأثاث ومواد البناء، فالمواد اللاصقة والبلاط والسجاد والألبسة تبث الكحوليات والبنزين والأوكتان والأمونيا والكربون والشحار ومركبات عضوية متطايرة، ومواد وعناصر أخرى كثيرة جدا ذات أسماء علمية غير مألوفة تحتاج إلى شرح وتوضيح. وهي ملوثات تلحق ضررا كبيرا بصحة المقيمين والمستخدمين للبيوت والمباني، مثل الجفاف والحساسية والالتهابات في الاجهزة التنفسية، وتؤدي على المدى البعيد إلى السرطان.
إن بيوتنا ومبانينا تتحول إن لم نعالجها ونصممها على نحو صحي إلى تهديد للصحة والراحة ومصدر للهدر والنزف المالي، ويمكن أن ترهقنا بدلا من أن تريحنا، ونحتاج بالتأكيد إلى معرفة واسعة ومهمة في البناء والتلوث والتصميم والوقاية، كما نحتاج إلى مراجعات واسعة واستراتيجية في أنظمة البناء والتخطيط العمراني والحضري.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock