أفكار ومواقف

تأجيل المشاكل اللبنانية بدل حلّها

   مع بدء الحوار بين اللبنانيين، وهو الأوّل من نوعه منذ الخروج العسكري السوري من لبنان، ثمة مجال لتفاؤل حذر بأن تكون لديهم أخيراً القدرة على إيجاد صيغة للتفاهم في ما بينهم من منطلق المحافظة على مصلحة بلدهم أوّلاً. لقد خرجت سورية من لبنان عسكرياً فقط، أي أنها خرجت من دون أن تخرج في ضوء الألغام الكثيرة التي خلّفتها في البلد. وربما كانت المهمّة الأولى للحوار اللبناني- اللبناني تأكيد أن الخروج السوري حقيقي وأن في استطاعة اللبنانيين إيجاد قواسم مشتركة في ما بينهم.


   منذ بدأت الحرب في لبنان في العام 1975، كان الحوار بين اللبنانيين ممنوعاً. في كل مرّة توصّل اللبنانيون الى اتفاق كان هناك طرف خارجي يأتي ويعطّله. ذلك لم يحل في النهاية دون التوصل الى اتفاق الطائف الذي لم يكن مجرد اتفاق بين اللبنانيين، لكنّه كان اتفاقاً داخلياً برعاية عربية مع ضمانة دولية صدرت عن مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة.


   صمد اتفاق الطائف طويلاً ولا يزال حيّاً يرزق، وصمد خصوصاً في وجه المحاولات السورية لتحويره عن أهدافه الحقيقية المرتبطة بالمصلحة اللبنانية، وذلك على الرغم من أنه كان واضحاً في كل شيء. وكان أوضح ما فيه أن على القوات السورية الانسحاب من الأراضي اللبنانية على مراحل. وهذا ما رفضته دمشق وعملت على تجاوزه من منطلق أن الوجود العسكري في لبنان بات حاجة سورية، بل بات جزءاً لا يتجزّأ من المرتكزات التي يقوم عليها النظام.


   الماضي هو الماضي، ولا بدّ الآن من الحديث عن المستقبل ما دام اللبنانيون جالسين الى طاولة الحوار. وربّما كان السؤال الأوّل الذي لا بد من طرحه لماذا صار الحوار ممكناً؟ هل بسبب الخروج السوري فحسب أم بسبب التوصّل الى صفقة بين أطراف عدّة أيضاً. صفقة قد تكون ذات تغطية عربية؟


   كثيرون في لبنان يتحدثون عن صفقة تبدأ باستبدال رئيس الجمهورية الحالي الذي انتهت ولايته الحقيقية في تشرين الثاني(نوفمبر) من العام 2004، على أن يخلف الرئيس إميل لحود شخص محايد من طينة حاكم مصرف لبنان السيد رياض سلامة الذي زار الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله قبل أيام. وكانت الزيارة ملفتة، نظراً الى أنه ليس من عادة حاكم مصرف لبنان القيام بمثل هذا النوع من النشاطات الاّ عندما يكون ساعياً الى موقع رئيس الجمهورية. وسبق لحاكم مصرف لبنان أن وصل الى هذا الموقع في العام 1976 في ظروف شبيهة الى حدّ ما بالظروف الحالية عندما أنتُخب الياس سركيس رئيساً للجمهورية خلفاً للرئيس سليمان فرنجية وذلك قبل أن تنتهي الولاية الرئاسية للأخير بأشهر عدّة. ذلك لا يعني أن الخيار محصور بشخص رياض سلامة، ولكن يبدو أن البحث منصبٌّ على شخص يمتلك مواصفات محدّدة في مقدمها الحياد وأن يكون بعيداً عن المواقف الاستفزازية، أقلّه من وجهة نظر “حزب الله” الذي يرفض، الى اشعار آخر، التخلّي عن سلاحه.


   هل يقتصر الحوار على حسم مسألة رئاسة الجمهورية التي صارت مطلبا ًشعبياً لبنانياً؟ كان أفضل تعبير عنه دعوة نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الياس المرّ عمّه، أي والد زوجته، الى الاستقالة في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء.  لقد توجّه الوزير الياس المرّ في الجلسة الى إميل لحود واصفاً إياه بالأخ الأكبر وبـ”جدّ أولادي” الثلاثة داعياً أياه وإن بأسلوب غير مباشر الى الاستقالة. وهذا قد يعني أن إميل لحّود بات مقتنعاً بأن عليه الرحيل متى توفّر الإخراج المناسب لذلك.


   يمكن أن يؤدي الحوار اللبناني- اللبناني الى طي ملف رئاسة الجمهورية وطي جزء من بنود القرار الرقم 1559 الصادر عن مجلس الأمن والذي في أساسه اعتراض المجتمع الدولي على التمديد السوري لولاية إميل لحّود. ولكن ماذا سيفعل الحوار بالبنود الأخرى، بما في ذلك تلك التي تشير مباشرة الى ضرورة نزع السلاح الفلسطيني وسلاح “حزب الله”؟


   لا يمكن أن يكون معنى للحوار في حال عدم التطرق الى موضوع السلاح، لا لشيء سوى لأنه في حال عدم حصول ذلك، يكون هناك مس حقيقي بجوهر اتفاق الطائف الذي دعا صراحة الى بسط سلطة الدولة على كلّ الأراضي اللبنانية بما في ذلك الجنوب. والظاهر أن أبعد ما يمكن أن يذهب اليه الحوار بين اللبنانيين هو ربط احتفاظ “حزب الله” بسلاحه، بقضية تحرير مزارع شبعا التي ينطبق عليها في واقع الأمر، بموجب القانون الدولي، القرار الرقم 242 من منطلق أنها أحتُلّت في العام 1967 حين كانت تحت السيطرة السورية مثلها مثل مرتفعات الجولان!


 الأكيد أن مثل هذا الحل، الذي ليس حلاّ، يرضي مؤقتاً كل الفرقاء في لبنان واللبنانيين عموماً، خصوصاً أن “حزب الله” يدرك أن النظام السوري لن يقدّم للأمم المتحدة المستندات التي تثبت لبنانية المزارع. وهذا يعني أن الحزب سيبقى محتفظاً بسلاحه المرتبط عملياً بالاستراتيجية الايرانية أساسا والسورية الى حدّ ما.


   إنه حل على الطريقة اللبنانية لا أكثر، أي أنه تأجيل للمشاكل في غياب القدرة على الانتهاء منها، تماماً كما كان عليه الأمر مع اتفاق القاهرة الذي سمح للمقاومة الفلسطينية بالعمل انطلاقاً من لبنان. لقد جرّ ذلك الاتفاق، الذي تفرّد السياسي الراحل ريمون أده بمعارضته في العام 1969، الويلات على اللبنانيين بتكريسه بلدهم “ساحة” للصراعات الاقليمية بموافقة مجلس النواب اللبناني، نعم اللبناني. والخوف كلّ الخوف الآن أن يسفر الحوار الدائر حالياً عن اتفاق جديد لا يشبه سوى اتفاق القاهرة الذي لم يستطع لبنان مقاومته بسبب الضغوط العربية التي مارسها وقتذاك الرئيس جمال عبدالناصر.


   في حال لم يتطرق الحوار اللبناني- اللبناني الدائر حالياً الى موضوع سلاح “حزب الله” والسلاح الفلسطيني في المخيمات وخارجها، يخشى أن يكون هذا الحدث، على أهميته، مجرد منعطف على طريق افراغ اتفاق الطائف من مضمونه. كذلك يخشى أن يكون مجرد وسيلة لتأجيل المشاكل بدل ايجاد حلول جذرية لها.


   ثمة حاجة الى بت موضوع السلاح، علماً بأن التخلص من الرئيس الحالي للجمهورية خطوة أساسية على طريق استعادة البلد بعض عافيته. ان الاتفاق على رئيس جديد للجمهورية يشكل، من دون شك، تحوّلاً نحو الأفضل في لبنان. لكن ذلك يجب الاّ يحول دون البحث في المشاكل الأساسية التي يعاني منها البلد الذي آن له أن يخرج من حال “الساحة”. عليه الخروج من هذه الحال، أقلّه وفاء لرجل اسمه رفيق الحريري كان اتفاق الطائف هاجسه. وقد  دفع الرجل الكبير دمه ثمناً للمحافظة عليه. الأكيد أنه لم يدفع هذا الثمن الباهظ الذي أحدث زلزالاً في لبنان والمنطقة من أجل التوصل الى اتفاق جديد على نسق اتفاق القاهرة! 


كاتب لبناني مقيم في لندن

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock