آخر الأخبار حياتناحياتناملفات وملاحق

تأخر تعريف “التسول المنظم”.. صغار يدفعون الثمن!

منى أبوحمور

عمان– لم يتجاوز عمرها العشرة شهور، لكن نصيبها من هذه الحياة حتم عليها البقاء ساعات طويلة تحت حرارة الشمس التي نالت من جمال بشرتها، وهي برفقة والدتها التي تجوب الشوارع للتسول، ومبرر الأم هنا؛ “أريد تأمين حليب للصغيرة”.

في الوقت الذي ينعم به الأطفال بمكان هانئ للنوم، تتسول الأم وعلى يديها ابنتها الرضيعة في شوارع مدينة السلط، التي لم تخش أو تفكر بأسباب تواصل بكاء رضيعتها من كثرة التجوال.

وما يرافقها من أصوات السيارات، وأشعة الشمس نهارا، والبرد القارس ليلا، فكل ما يهمها العودة بعدد قليل من الدنانير.

ورغم استهجان المارة لهذه المرأة، بسؤالها، “كيف تستطيع الاستهتار بحياة طفلتها بهذا الشكل، ويوميا؟”، إلا أنها ترد دائما، “لولا الحاجة ما طلبت”.

التسول في كل مكان 

المشهد يتكرر كل يوم وبعدة أماكن، في العاصمة عمان تفترش إحدى المتسولات الأرض برفقة طفليها اللذين لم يتجاوزا العامين من العمر، دون الشعور بأي مسؤولية اتجاههما، إذ وضعت الرفق بهما جانبا، فكل ما تفكر به هو الحصول على المال فقط.

يبدو أن ظاهرة التسول تغلب عاطفة الأمومة لدى هؤلاء الأمهات وغيرهن، فالأم تضرب بعرض الحائط دورها في حماية طفلها من حرارة الشمس صيفا، وللظروف الجوية شتاء.

ويبدو أن الأب لم يعد ذلك السند والكتف الحاني على أطفاله، فقد باتت بعض الأسر شتات لأبنائها تعصف بهم بين وحشة الطرقات.

وفي الوقت الذي شمل فيه تعديل قانون الاتجار بالبشر “التسول” كجريمة اتجار بالبشر، فإن تأخر ديوان الرأي والتشريع في الوصول إلى معنى محدد للتسول يحول دون قدرة الجهات التنفيذية من أخذ الإجراءات اللازمة للحد من استغلال أسر لأبنائهم في التسول.

دعوة لإجراءات أكثر فعالية

خبراء ومتخصصون أكدوا لـ “الغد” أن شمول التسول في تعديل قانون الاتجار بالبشر وحده لايكفي، ولا يحقق الغاية المرجوة منه، ما لم يكن هناك إجراء تنفيذي من الجهات التنفيذية التي ما زالت إلى الآن تنتظر تحديد “التسول” الذي شمله الاتجار البشر.

مدير وحدة مكافحة التسول في وزارة التنمية الاجتماعية ماهر الكلوب يشير إلى أن تعديلات قانون الاتجار بالبشر الذي أجري في شهر كانون الثاني (يناير) من العام الحالي الذي تضمن التسول لغاية هذه اللحظة، لم يجد معنى التسول المنظم الذي اشترطه التعديل حتى يكيف على أنه اتجار بالبشر.

ويجد كلوب أن التأخر في ايجاد معنى محدد للتسول المنظم يؤخر من تطبيق تعديلات قانون الاتجار بالبشر، كما أنه يحول دون تكييف قضايا التسول التي يتم تحويلها على أنها اتجار بالبشر.

ويؤكد؛ إذا ما لم يتم إيجاد تعريف موحد للتسول المنظم، فلا يمكن للوزارة اتخاذ أي إجراء بالشكاوى التي ترد إليها أو الحالات التي يتم ضبطها باعتبارها اتجارا بالبشر.

 وبطالب بدوره ديوان الرأي والتشريع إعطاء صفة الاستعجال لتعديل المادة 389 من قانون العقوبات، وتحديد “التسول المنظم”.

ويشير كلوب أن دور الوزارة يقتصر فقط على ضبط المتسولين، وتحويلهم إلى المدعي العام الذي بدوره يقوم بتكييف نوع التسوق.

لافتا إلى أن الوزارة قد ضبطت وحتى بداية شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 11.470 متسول، وهو عبء كبير على وزارة التنمية ويتطلب جهدا إضافيا، خصوصا في ظل وجود مهنة منظمة.

وحول الشكاوى التي ترد الوزارة حول استغلال الأطفال في التسول ينوه الكلوب ما لم يكن هناك تعريف محدد للتسول لا يمكن اتخاذ إجراءات قانونية وتوجيه تهمة الاتجار بالبشر، إذ تطالب الوزارة بضرورة تفعيل قانون منع الاتجار بالبشر الموجود في أدراج مجلس الامة واعطائه صفة الاستعجال للحد من هذه الظاهرة المجتمعية.

ويأتي دور وحدة التسول للتعامل مع من يتسول بطلب المال عند الإشارات المرورية وأمام البنوك والمحال التجارية وغيرها من الأماكن العامة.

وتسعى الوزارة جادة للتشديد على مكافحة ظاهرة التسول في مقابل السعي الجاد لتأمين الفقراء والمحتاجين بما يسد حاجتهم المعيشية.

ويؤكد كلوب، أن القانون يعاقب كل من استعطى أو طلب الصدقة من الناس متذرعا بعرض جروحه أو عاهة في جسده أو بأي وسيلة أخرى، سواء كان متجولا أو جالسا في مكان عام.

انفوغراف التسول
انفوغراف التسول

جريمة يعاقب عليها القانون ومطالبة بالتعديلات

كان الأردن استحدث الأحكام بموجب القانون المعدل لقانون الاتجار بالبشر رقم (10) لسنة 2021م، والذي تضمن إدراج التسول المنظم ضمن مفهوم جريمة الاتجار بالبشر.

 فضلا عن وإمكانية وقف مُلاحقة أي من المجني عليهم والمتضررين من جرائم الاتجار بالبشر من قبل النيابة العامة، إضافة الى إنشاء “صندوق مساعدة ضحايا الاتجار بالبشر”، والمخصص لتقديم المساعدة القانونية للمجني عليهم والمتضررين من جرائم الاتجار بالبشر، لما من شأنه تعزيز الحماية القانونية من مظاهر استغلال.

مديرة مركز تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان ليندا كلش بدورها تشير إلى أن تعديل قانون الاتجار بالبشر الذي أقر في عام 2009،.

وتم تعديله في كانون الثاني (يناير) ليشمل التسول تم إدراجه بتعديل أضيف جانبه “التسول المنظم”، تجعل التعريف للجهات المنفذة والمعنية بتكييف التسول غير قادرة على وضع رؤية واضحة لمفهوم التسول، وهل هو مقتصر على عصابات استغلال الأطفال، تكرار استغلال الأطفال لسنوات طويلة أو يشمل استغلال الكبار والأطفال في الوقت ذاته.

القصور بتعريف التسول بحسب كلش، حال دون تكييف الكثير من قضايا التسول كقضايا الاتجار بالبشر، وهذا ينتقص من الحماية والإجراءات التي تتعلق بتعويض هذه الفئة المستغلة.

 وتلفت إلى ضرورة الإسراع بتعريف التسول المنظم، وتحديد الحالات التي يشملها للحد من ازدياد حالات التسول التي زادت بعد جائحة كورونا، حيث بلغت حتى تشرين الثاني ( نوفمبر) 11.470 حالة.

من جهة أخرى تلفت كلش إلى أن التعليم الإلكتروني ساهم في زيادة نسبة التسول بين الأطفال، معتبرة استغلال الطفل سواء من ناحية الفعل أو الوسيلة أو النتيجة هي اتجار بالبشر.

وترى كلش أن التأخر باعتبار التسول اتجارا بالبشر لا يمكن أن يردع المسخر، خصوصا وأن عقوبة المسخر بسيطة، يستسهل دفعها مقابل المكاسب التي يجنيها من التسول في حين أن تكييفها كاتجار بالبشر يغلظ العقوبة.

وكانت تعديلات قانون منع الاتجار بالبشر التي تم اقرارها في آذار (مارس) الماضي اعتبرت التسول المنظم “شكلا من أشكال الاتجار بالبشر”، كما نصت التعديلات على تغليظ العقوبات في جرائم الاتجار بالبشر التي يكون ضحيتها الأطفال.

وأتاحت التعديلات للقاضي إصدار عقوبة الحبس بين 6 أشهر و5 سنوات مع الأشغال الشاقة المؤقتة والغرامة بين 3 و10 آلاف دينار على مرتكب جريمة الاتجار بالبشر.

وغلظت ذلك حال كانت الضحية في سن الطفولة أو امرأة أو من ذوي الإعاقة، بما لا يقل عن السجن 7 سنوات مع الأشغال الشاقة المؤقتة والغرامة بين 5 آلاف دينار و20 ألف دينار.

الهدف من تعديل قانون الاتجار بالبشر، ليشمل التسول، لم يكن الهدف منه تصويب وضع الأردن عالميا، فيما يتعلق بقانون الاتجار بالبشر، وإنما لإدخاله حيز التطبيق وتفعيله للحد من هذه الظاهرة المقلقة، بحسب كلش.

ووفق كلش؛ فإن “الروتين والبيروقراطية والعمل الناقص تبقي تعديلات قانون الاتجار بالبشر حبيسة الأدراج”، مطالبة بالإسراع لإيجاد تعريف للتسول المنظم.

وفي سابقة هي الأولى في الأردن سجلت قضية “فتيات شارع مكة”، كأول قضية تسجل بتهمة الاتجار بالبشر، إذ حولت مجريات القضية وتفاصيلها من تسول إلى تهمة الاتجار بالبشر.

وبحسب بيان وزارة التنمية الاجتماعية، فإن والد الفتيات يعمل على تسخيرهن للعمل في جرم التسول في مناطق مختلفة في عمان، رغم أنهن يسكن في إحدى المحافظات القريبة من العاصمة، ويحضرهن والدهن منذ ساعات المساء للعمل بالتسول حتى ساعات الفجر.

وقالت الوزارة، إن قاضي الأحداث المختص قرر إيداع الفتيات الثلاث في إحدى الدور التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية والمختصة بحماية ضحايا الاتجار بالبشر لمدة ستة أشهر.

وتقدم لهن جميع الخدمات التعليمية والنفسية، إضافة إلى تقديم البرامج الموجهة وبرامج إعادة تأهيلهن من أجل إدماجهن في المجتمع.

وأوضح البيان أنه سيصار إلى اتخاذ الإجراءات القانونية بحق الأب، بسبب تسخيره الفتيات وتوديعه للقضاء المختص بشبهة الاتجار بالبشر، بالتنسيق والتعاون مع وحدة مكافحة الاتجار بالبشر التابعة لمديرية الأمن العام، لإدارة الحالة في مرحلة التحقيق في جرم التسول المنظم، استجابة فورية للتعديلات الأخيرة على قانون مكافحة الاتجار بالبشر.

وتحتل العاصمة عمان المركز الأول في عدد المتسولين، تليها مدينة الزرقاء وتظهر الأرقام الرسمية أن 76 في المائة من المتسولين المضبوطين يملكون شققا سكنية وقطع أراض ومركبات وشركات تجارية.

وتظهر دراسة أعدتها وزارة التنمية الاجتماعية حول خصائص المتسولين، أن 98 % من المتسولين أصحاء، و91 % منهم قادرون على العمل، و67 % أميون، فيما يدعي أغلبهم المرض والإعاقة.

وتشير سجلات وزارة التنمية الاجتماعية إلى تزايد ظاهرة “التسخير للتسول” في ظل جائحة كورونا، حيث يقوم أشخاص باستغلال أطفالهم ونسائهم للتسول عبر توزيعهم على أماكن محددة، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الأردني بالحبس لمدة لا تقل عن عام واحد.

وتبلغ عقوبة المسخر في قانون العقوبات بالسجن لمدة عام، اذ تنص المادة (389) من قانون العقوبات على أنه يعاقب كل من سخر الآخرين للتسول أو طلب الصدقة بالحبس لمدة لا تقل عن عام.

في حين أن قانون منع الاتجار بالبشر الذي أقر مؤخرا، جرم التسول المنظم وأدرجه كجريمة اتجار بالبشر، مشددا العقوبة في حال كان الضحية دون الـ18 عاما، أو انثى أو شخصا من ذوي الإعاقة.

وبحسب احصائيات الوزارة العام الماضي، فإن المسخرين للتسول يشكلون 42 % من اجمالي المتسولين، اذ يبلغ عدد المتسولين المضبوطين 5787، الأحداث منهم 2418 (1639 ذكورا، و785 إناثا).

إقرأ المزيد :

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock